logo
عبد الوهاب الدكالي يُشعل مسرح محمد الخامس… ليلة من الزمن الجميل تعيد وهج الأغنية المغربية

عبد الوهاب الدكالي يُشعل مسرح محمد الخامس… ليلة من الزمن الجميل تعيد وهج الأغنية المغربية

المغرب الآن١٤-٠٤-٢٠٢٥

في ليلة فنية ستظل محفورة في ذاكرة محبّي الطرب الأصيل، اعتلى عميد الأغنية المغربية
عبد الوهاب الدكالي
خشبة
مسرح محمد الخامس
بالرباط، ليمنح جمهوره عرضًا استثنائيًا، أعاد فيه للأذهان مجد الأغنية المغربية التي صنعت ذوق أجيال متعاقبة.
السهرة، التي نظمتها شركة
EDIFOREVE GROUP
بقيادة
هند التازي
، وبدعم من
وزارة الشباب والثقافة والتواصل
، كانت أكثر من مجرد حفل موسيقي؛ كانت لحظة احتفاء بتراث فني يمتد لعقود، بصوت لا يزال يحمل دفء المشاعر ونبل الكلمة.
نجاة الرجوي… بداية على نغمة التألق
افتُتح الحفل بصوت الفنانة
نجاة الرجوي
التي قدمت أداءً مميزًا أبهر الحضور، ممهدة الطريق لليلة استثنائية، أعادت للأذهان سحر الحفلات الكلاسيكية التي لا تُنسى.
لحظة نادرة… عبد الحليم حافظ يغني 'كتعجبيني'
ضمن مفاجآت السهرة، أُعيد إحياء مقطع نادر للراحل
عبد الحليم حافظ
وهو يغني باللهجة المغربية أغنية 'كتعجبيني' لعبد الوهاب الدكالي، وهو تسجيل لم يسمعه الجمهور من قبل. هذه اللحظة المؤثرة ألهبت مشاعر الحاضرين، وربطت الماضي بالحاضر بطريقة شعرية تفيض بالحنين.
بين الماضي والحاضر… إبداع متجدد
على مدى ساعتين من الطرب، قدّم الدكالي باقة من أشهر أغانيه، منها:
'مرسول الحب'
،
'ما أنا إلا بشر'
،
'سوق البشرية'
،
'كان يا مكان'
، و**'الله حي'**، في توزيعات موسيقية جديدة أضافت بعدًا حداثيًا دون المساس بجوهر الألحان الأصلية.
التجربة الفنية لم تقتصر على الصوت فقط، بل كانت مدعّمة بعروض بصرية متقنة، ومؤثرات ضوئية زادت من وهج الأداء، لتخلق لحظات مسرحية بصرية وصوتية نابضة بالحياة.
تنظيم يُحتذى به
أظهرت هذه الأمسية مدى احترافية
EDIFOREVE GROUP
التي وفرت كل الشروط لنجاح العرض من حيث الإخراج، الإضاءة، ضبط الإيقاع، وراحة الجمهور، ما يؤكد أن الاستثمار في الثقافة والموسيقى الجادة لا يزال ممكنًا ومثمرًا في المغرب.
ليلة ستُروى للأجيال
11 أبريل 2025
لن تكون مجرد تاريخ في سجل الحفلات، بل لحظة فنية وثقافية استثنائية، اجتمع فيها الكبار والصغار على نغمة واحدة: الوفاء لفن نظيف، وصوت صادق، ورجل اسمه
عبد الوهاب الدكالي
… رمز حيّ من رموز الهوية الموسيقية المغربية.

Orange background

جرب ميزات الذكاء الاصطناعي لدينا

اكتشف ما يمكن أن يفعله Daily8 AI من أجلك:

التعليقات

لا يوجد تعليقات بعد...

أخبار ذات صلة

نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي
نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي

أخبارنا

timeمنذ 5 أيام

  • أخبارنا

نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي

منذ طفولتي الأولى في ستينيات القرن الماضي، وأنا مشدود بأوتار الشذو إلى صوتٍ يشبه الضوء حين ينساب من شقوق الليل فوق أسطح مدينة فاس العتيقة… لقد كان اسمه يتردد همسًا على شفاه الجيران، وتراتيله العذبة تشعل فيّ رغبة غامضة في البكاء الممزوج بالفرح. الموسيقار عبدالوهاب الدكالي لم يكن مجرد صوت يحلق من المذياع، بل كان رفيق مراهقتي، ظلًّا يطول كلما اشتد الحنين، وصوتًا يلملم شتات قلبي حين يعصف به التيه. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري حين سمعت لأول مرة أغنيته "مول الخال"، منبعثة من مذياع جدي الخشبي، وقد التفّت حوله الأسرة في ظهيرة شتوية رومانسية. لم أفهم كل الكلمات، لكن شيئًا ما في المقام، في الالتفاتة الصوتية، في التنهيدة الخفيفة، جعلني أصمت... كأن الزمن توقف ليركع أمام هذا الفن الرفيع الذي انبثق من حدائق فاس، المدينة التي تحفظ في أزقتها الضيقة مقامات الملحون والموسيقى الأندلسية التي لا تشيخ. كبرتُ، وكبر معي طيف الموسيقار عبدالوهاب الدكالي. أو لنقل، كبرت في حضرة موسيقاه. هو ابن مدينة فاس العريقة ، من تلك الغرف العتيقة ، من عائلة كانت تؤمن بالعلم والتقاليد، لكنه خرج عن المألوف وسار في دروب الفن بشجاعة المطرب المحارب. تلقى تعليمه في الموسيقى، التمثيل، وحتى الرسم، وكأن الفن كان يسكن مساماته. في الخمسينيات من القرن الماضي ، حين كانت البلاد تحت الحماية الفرنسية، كان هو يخط أولى نغماته، يعدو لاهثا وراء حلمه على خشبات المسرح مع فرقة المعمورة، تحت أعين أساتذة فرنسيين، لكن روحه كانت مغربية خالصة، معجونة بالزجل والفصحى ونكهات أزقة المدينة القديمة. حين انتقل منها إلى الرباط، ثم إلى الدار البيضاء، بدا لي وكأنه هاجر في دواخلي أيضًا. بدأت ألاحق أخباره، أحفظ كلماته، وأقلّد صوته أمام المرآة المهشمة في بيتنا، خجلاً من أبي، مشدودًا إلى موسيقاه كما يُشدّ التلميذ إلى أول حب. أذكر جيدًا حين أذاع الراديو أغنيته الثانية "يا الغادي في الطوموبيل"، كنت في الشارع آنذاك، لكنها بقيت تدندن في أذني حتى الليل، فكتبتها على دفاتري كما تُكتب صلاة سرية. ثم جاءت "مرسول الحب" سنة 1972، وأحسست أنها كُتبت لي، وحدي. كيف يمكن لأغنية أن تصف اشتياقًا لم يُكتب بعد؟ كيف استطاع هذا العملاق الشامخ أن يحوّل القلب إلى قارب، والحنين إلى مجداف؟ تلك الأغنية كانت، ولا تزال، صلاة عشاق، وطنًا صغيرًا يجمع المتباعدين في زوايا الحنين. في القاهرة، حيث أقام لسنين طويلًة، لم ينسَ وطنه الحبيب المغرب، بل حمَله معه، زجلًا ومقامات، ولهجة تفيض دفئًا ودهشة. لم يكن فنانًا يطارد الأضواء، بل كان هو الضوء نفسه. موسيقاه لا تُشبه أحدًا، ومواضيعه تتراقص بين الحب والوجدان ووطنه الأم . في رائعته "أنا والغربة"، بكيت منفاي الداخلي. وفي "أجي نتسالمو"، صفحت عن الذين طعنوني ذات حنين. وفي "حكاية هوى"، رأيت وجهي التائه بين قطارات العمر. لم يكتفِ المطرب بالغناء، بل شارك في السينما، شارك بروحه التي لا تعرف المساومة. "أين تخبئون الشمس؟" كان سؤالًا، لكنني كنت أعرف الجواب: يخبئونها في صوته، في ملامحه، في صمته. وحين بدأ التكريم يطرق بابه، فرحت له كما يفرح الابن بنجاح أبيه. الجائزة الكبرى في مدينة المحمدية، ثم درع شخصية العام العربي في لندن، فجوائز من الفاتيكان وباريس، ودكتوراه فخرية، وأوسمة وطنية عديدة … كلها بدت لي اعترافًا متأخرًا لما عرفته أنا طفلًا، حين همست لأمي أن هذا الرجل ليس مثل بقية الرجال. واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، ما زالت معزوفات الموسيقار عبدالوهاب الدكالي تسكنني. كلما سمعت "النظرة "، شعرت أنني أنظر لأول مرة. وكلما بثت أغنية "بيا ولا بيك" إلى الإذاعة، عادت سنواتي الطفولية تركض نحوي. حتى "العهد"، أغنيته الوطنية الرائعة ، كانت لي بمثابة وعد لا يخون. في كل مرة أسمع مقطع "لم تبق إلا شمعة تبكي على ما ضاع مني... وتذوب في دمعي أنا..." من أغنيته العذبة "لا تتركيني"، أشعر كما لو أن الموسيقار الدكالي لا يغني فقط، بل يسرد حكاية وجدانية مشتركة بينه وبين جمهوره. هناك في صوته نغمة بكاء خفي، ووميض شمعة تتآكل ببطء على وقع الذكريات، كأنها تضيء ليل القلب وحدها. ثم تأتي الجملة المعجونة بالشغف: "كي أغني .. كي أغني"، فتفتح النافذة على إصرار الفنان على الحياة رغم كل الفقد، لأنه يغني للحب، ومن أجل الحب. في هذه اللحظة، لا يعود الدكالي مجرد فنان، بل يتحول إلى رسول للعاطفة، يؤمن بأن الغناء ليس تسلية، بل مقاومة للغياب، وانتقام جميل من الزمن. إن هذا المقطع وحده يكفي ليؤكد أن عبد الوهاب الدكالي لم يكن فقط صوت جيل، بل بوصلة عاطفية لمن أضاعوا الطريق، ثم وجدوها في أغانيه العذبة. ولذا، وأنا أكتب هذه السطور، تختلط الذكرى بالنشيد، والدمعة بالمقام، فأدرك من جديد أنني لا أزال أحيى بحبه… كي أكتب، وكي أغني.

نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي
نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي

لكم

time١٣-٠٥-٢٠٢٥

  • لكم

نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي

منذ طفولتي الأولى في ستينيات القرن الماضي، وأنا مشدود بأوتار الشذو إلى صوتٍ يشبه الضوء حين ينساب من شقوق الليل فوق أسطح مدينة فاس العتيقة… لقد كان اسمه يتردد همسًا على شفاه الجيران، وتراتيله العذبة تشعل فيّ رغبة غامضة في البكاء الممزوج بالفرح. الموسيقار عبدالوهاب الدكالي لم يكن مجرد صوت يحلق من المذياع، بل كان رفيق مراهقتي، ظلًّا يطول كلما اشتد الحنين، وصوتًا يلملم شتات قلبي حين يعصف به التيه. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري حين سمعت لأول مرة أغنيته 'مول الخال'، منبعثة من مذياع جدي الخشبي، وقد التفّت حوله الأسرة في ظهيرة شتوية رومانسية. لم أفهم كل الكلمات، لكن شيئًا ما في المقام، في الالتفاتة الصوتية، في التنهيدة الخفيفة، جعلني أصمت… كأن الزمن توقف ليركع أمام هذا الفن الرفيع الذي انبثق من حدائق فاس، المدينة التي تحفظ في أزقتها الضيقة مقامات الملحون والموسيقى الأندلسية التي لا تشيخ. كبرتُ، وكبر معي طيف الموسيقار عبدالوهاب الدكالي. أو لنقل، كبرت في حضرة موسيقاه. هو ابن مدينة فاس العريقة ، من تلك الغرف العتيقة ، من عائلة كانت تؤمن بالعلم والتقاليد، لكنه خرج عن المألوف وسار في دروب الفن بشجاعة المطرب المحارب. تلقى تعليمه في الموسيقى، التمثيل، وحتى الرسم، وكأن الفن كان يسكن مساماته. في الخمسينيات من القرن الماضي ، حين كانت البلاد تحت الحماية الفرنسية، كان هو يخط أولى نغماته، يعدو لاهثا وراء حلمه على خشبات المسرح مع فرقة المعمورة، تحت أعين أساتذة فرنسيين، لكن روحه كانت مغربية خالصة، معجونة بالزجل والفصحى ونكهات أزقة المدينة القديمة. حين انتقل منها إلى الرباط، ثم إلى الدار البيضاء، بدا لي وكأنه هاجر في دواخلي أيضًا. بدأت ألاحق أخباره، أحفظ كلماته، وأقلّد صوته أمام المرآة المهشمة في بيتنا، خجلاً من أبي، مشدودًا إلى موسيقاه كما يُشدّ التلميذ إلى أول حب. أذكر جيدًا حين أذاع الراديو أغنيته الثانية 'يا الغادي في الطوموبيل'، كنت في الشارع آنذاك، لكنها بقيت تدندن في أذني حتى الليل، فكتبتها على دفاتري كما تُكتب صلاة سرية. ثم جاءت 'مرسول الحب' سنة 1972، وأحسست أنها كُتبت لي، وحدي. كيف يمكن لأغنية أن تصف اشتياقًا لم يُكتب بعد؟ كيف استطاع هذا العملاق الشامخ أن يحوّل القلب إلى قارب، والحنين إلى مجداف؟ تلك الأغنية كانت، ولا تزال، صلاة عشاق، وطنًا صغيرًا يجمع المتباعدين في زوايا الحنين. في القاهرة، حيث أقام لسنين طويلًة، لم ينسَ وطنه الحبيب المغرب، بل حمَله معه، زجلًا ومقامات، ولهجة تفيض دفئًا ودهشة. لم يكن فنانًا يطارد الأضواء، بل كان هو الضوء نفسه. موسيقاه لا تُشبه أحدًا، ومواضيعه تتراقص بين الحب والوجدان ووطنه الأم . في رائعته 'أنا والغربة'، بكيت منفاي الداخلي. وفي 'أجي نتسالمو'، صفحت عن الذين طعنوني ذات حنين. وفي 'حكاية هوى'، رأيت وجهي التائه بين قطارات العمر. لم يكتفِ المطرب بالغناء، بل شارك في السينما، شارك بروحه التي لا تعرف المساومة. 'أين تخبئون الشمس؟' كان سؤالًا، لكنني كنت أعرف الجواب: يخبئونها في صوته، في ملامحه، في صمته. وحين بدأ التكريم يطرق بابه، فرحت له كما يفرح الابن بنجاح أبيه. الجائزة الكبرى في مدينة المحمدية، ثم درع شخصية العام العربي في لندن، فجوائز من الفاتيكان وباريس، ودكتوراه فخرية، وأوسمة وطنية عديدة … كلها بدت لي اعترافًا متأخرًا لما عرفته أنا طفلًا، حين همست لأمي أن هذا الرجل ليس مثل بقية الرجال. واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، ما زالت معزوفات الموسيقار عبدالوهاب الدكالي تسكنني. كلما سمعت 'النظرة '، شعرت أنني أنظر لأول مرة. وكلما بثت أغنية 'بيا ولا بيك' إلى الإذاعة، عادت سنواتي الطفولية تركض نحوي. حتى 'العهد'، أغنيته الوطنية الرائعة ، كانت لي بمثابة وعد لا يخون. في كل مرة أسمع مقطع 'لم تبق إلا شمعة تبكي على ما ضاع مني… وتذوب في دمعي أنا…' من أغنيته العذبة 'لا تتركيني'، أشعر كما لو أن الموسيقار الدكالي لا يغني فقط، بل يسرد حكاية وجدانية مشتركة بينه وبين جمهوره. هناك في صوته نغمة بكاء خفي، ووميض شمعة تتآكل ببطء على وقع الذكريات، كأنها تضيء ليل القلب وحدها. ثم تأتي الجملة المعجونة بالشغف: 'كي أغني .. كي أغني'، فتفتح النافذة على إصرار الفنان على الحياة رغم كل الفقد، لأنه يغني للحب، ومن أجل الحب. في هذه اللحظة، لا يعود الدكالي مجرد فنان، بل يتحول إلى رسول للعاطفة، يؤمن بأن الغناء ليس تسلية، بل مقاومة للغياب، وانتقام جميل من الزمن. إن هذا المقطع وحده يكفي ليؤكد أن عبد الوهاب الدكالي لم يكن فقط صوت جيل، بل بوصلة عاطفية لمن أضاعوا الطريق، ثم وجدوها في أغانيه العذبة. ولذا، وأنا أكتب هذه السطور، تختلط الذكرى بالنشيد، والدمعة بالمقام، فأدرك من جديد أنني لا أزال أحيى بحبه… كي أكتب، وكي أغني.

نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي
نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي

كواليس اليوم

time٠٩-٠٥-٢٠٢٥

  • كواليس اليوم

نصف قرن في محبة الموسيقار عبد الوهاب الدكالي

عبده حقي منذ طفولتي الأولى في ستينيات القرن الماضي، وأنا مشدود بأوتار الشذو إلى صوتٍ يشبه الضوء حين ينساب من شقوق الليل فوق أسطح مدينة فاس العتيقة… لقد كان اسمه يتردد همسًا على شفاه الجيران، وتراتيله العذبة تشعل فيّ رغبة غامضة في البكاء الممزوج بالفرح. الموسيقار عبدالوهاب الدكالي لم يكن مجرد صوت يحلق من المذياع، بل كان رفيق مراهقتي، ظلًّا يطول كلما اشتد الحنين، وصوتًا يلملم شتات قلبي حين يعصف به التيه. كنت في الثامنة أو التاسعة من عمري حين سمعت لأول مرة أغنيته 'مول الخال'، منبعثة من مذياع جدي الخشبي، وقد التفّت حوله الأسرة في ظهيرة شتوية رومانسية. لم أفهم كل الكلمات، لكن شيئًا ما في المقام، في الالتفاتة الصوتية، في التنهيدة الخفيفة، جعلني أصمت… كأن الزمن توقف ليركع أمام هذا الفن الرفيع الذي انبثق من حدائق فاس، المدينة التي تحفظ في أزقتها الضيقة مقامات الملحون والموسيقى الأندلسية التي لا تشيخ. كبرتُ، وكبر معي طيف الموسيقار عبدالوهاب الدكالي. أو لنقل، كبرت في حضرة موسيقاه. هو ابن مدينة فاس العريقة ، من تلك الغرف العتيقة ، من عائلة كانت تؤمن بالعلم والتقاليد، لكنه خرج عن المألوف وسار في دروب الفن بشجاعة المطرب المحارب. تلقى تعليمه في الموسيقى، التمثيل، وحتى الرسم، وكأن الفن كان يسكن مساماته. في الخمسينيات من القرن الماضي ، حين كانت البلاد تحت الحماية الفرنسية، كان هو يخط أولى نغماته، يعدو لاهثا وراء حلمه على خشبات المسرح مع فرقة المعمورة، تحت أعين أساتذة فرنسيين، لكن روحه كانت مغربية خالصة، معجونة بالزجل والفصحى ونكهات أزقة المدينة القديمة. حين انتقل منها إلى الرباط، ثم إلى الدار البيضاء، بدا لي وكأنه هاجر في دواخلي أيضًا. بدأت ألاحق أخباره، أحفظ كلماته، وأقلّد صوته أمام المرآة المهشمة في بيتنا، خجلاً من أبي، مشدودًا إلى موسيقاه كما يُشدّ التلميذ إلى أول حب. أذكر جيدًا حين أذاع الراديو أغنيته الثانية 'يا الغادي في الطوموبيل'، كنت في الشارع آنذاك، لكنها بقيت تدندن في أذني حتى الليل، فكتبتها على دفاتري كما تُكتب صلاة سرية. ثم جاءت 'مرسول الحب' سنة 1972، وأحسست أنها كُتبت لي، وحدي. كيف يمكن لأغنية أن تصف اشتياقًا لم يُكتب بعد؟ كيف استطاع هذا العملاق الشامخ أن يحوّل القلب إلى قارب، والحنين إلى مجداف؟ تلك الأغنية كانت، ولا تزال، صلاة عشاق، وطنًا صغيرًا يجمع المتباعدين في زوايا الحنين. في القاهرة، حيث أقام لسنين طويلًة، لم ينسَ وطنه الحبيب المغرب، بل حمَله معه، زجلًا ومقامات، ولهجة تفيض دفئًا ودهشة. لم يكن فنانًا يطارد الأضواء، بل كان هو الضوء نفسه. موسيقاه لا تُشبه أحدًا، ومواضيعه تتراقص بين الحب والوجدان ووطنه الأم . في رائعته 'أنا والغربة'، بكيت منفاي الداخلي. وفي 'أجي نتسالمو'، صفحت عن الذين طعنوني ذات حنين. وفي 'حكاية هوى'، رأيت وجهي التائه بين قطارات العمر. لم يكتفِ المطرب بالغناء، بل شارك في السينما، شارك بروحه التي لا تعرف المساومة. 'أين تخبئون الشمس؟' كان سؤالًا، لكنني كنت أعرف الجواب: يخبئونها في صوته، في ملامحه، في صمته. وحين بدأ التكريم يطرق بابه، فرحت له كما يفرح الابن بنجاح أبيه. الجائزة الكبرى في مدينة المحمدية، ثم درع شخصية العام العربي في لندن، فجوائز من الفاتيكان وباريس، ودكتوراه فخرية، وأوسمة وطنية عديدة … كلها بدت لي اعترافًا متأخرًا لما عرفته أنا طفلًا، حين همست لأمي أن هذا الرجل ليس مثل بقية الرجال. واليوم، وبعد مرور أكثر من نصف قرن، ما زالت معزوفات الموسيقار عبدالوهاب الدكالي تسكنني. كلما سمعت 'النظرة '، شعرت أنني أنظر لأول مرة. وكلما بثت أغنية 'بيا ولا بيك' إلى الإذاعة، عادت سنواتي الطفولية تركض نحوي. حتى 'العهد'، أغنيته الوطنية الرائعة ، كانت لي بمثابة وعد لا يخون. في كل مرة أسمع مقطع 'لم تبق إلا شمعة تبكي على ما ضاع مني… وتذوب في دمعي أنا…' من أغنيته العذبة 'لا تتركيني'، أشعر كما لو أن الموسيقار الدكالي لا يغني فقط، بل يسرد حكاية وجدانية مشتركة بينه وبين جمهوره. هناك في صوته نغمة بكاء خفي، ووميض شمعة تتآكل ببطء على وقع الذكريات، كأنها تضيء ليل القلب وحدها. ثم تأتي الجملة المعجونة بالشغف: 'كي أغني .. كي أغني'، فتفتح النافذة على إصرار الفنان على الحياة رغم كل الفقد، لأنه يغني للحب، ومن أجل الحب. في هذه اللحظة، لا يعود الدكالي مجرد فنان، بل يتحول إلى رسول للعاطفة، يؤمن بأن الغناء ليس تسلية، بل مقاومة للغياب، وانتقام جميل من الزمن. إن هذا المقطع وحده يكفي ليؤكد أن عبد الوهاب الدكالي لم يكن فقط صوت جيل، بل بوصلة عاطفية لمن أضاعوا الطريق، ثم وجدوها في أغانيه العذبة. ولذا، وأنا أكتب هذه السطور، تختلط الذكرى بالنشيد، والدمعة بالمقام، فأدرك من جديد أنني لا أزال أحيى بحبه… كي أكتب، وكي أغني.

حمل التطبيق

حمّل التطبيق الآن وابدأ باستخدامه الآن

مستعد لاستكشاف الأخبار والأحداث العالمية؟ حمّل التطبيق الآن من متجر التطبيقات المفضل لديك وابدأ رحلتك لاكتشاف ما يجري حولك.
app-storeplay-store