
إنحسار الضوضاء الملونة
في مقالات سابقة ، أشرنا ان (الضوضاء الملونة) في سوق الصرف في العراق تلعب دورها في خلق فارق كبير بين سعر صرف الدولار الرسمي عن سعر صرفه في سوق المضاربة او كما يطلق عليه خطأ السوق الموازي.
واستمرار تلك الضوضاء يعني ابعاد السعرين عن التلاقي ويستمر ذلك وفقا لقوة الضوضاء ومدى اتساعها ووسائل نشرها وطريقة استخدامها .
ورغم كثرة الحديث عن السوق الموازي وسعر الصرف فيه، حتى من المتخصصين في الاقتصاد النقدي، لا بد من الاشارة انه لا توجد في العراق ما يسمى بالسوق الموازي، لان مصدر الدولار الذي يطرح في السوق المحلية هو البنك المركزي العراقي، ولايوجد مصدر آخر غير ذلك، وهذا ما تم توضيحه من البنك المركزي العراقي في منشور يوم 2023/8/3 حيث اكد ان (مصدر الدولار الأمريكي المتداول في الأسواق المحلية هو البنك المركزي العراقي، الذي يطرحه بالسعر الرسمي المقرّر (1320) دينارًا للدولار الواحد. وبناءً على ذلك فإنٌ ما يُطلَق عليه 'السوق الموازي' لا حقيقة له، إذ يُطلَق ذلك الوصف عندما تكون للسوق مصادره الخاصة من العملة الأجنبية، وعن طريق صادرات القطاع الخاص والسياحة المحلية، وتحويلات المقيمين في الخارج وغيرها) كما هو الحال في الدول الأخرى،كمصر والاردن، وعندها يكون دور البنك المركزي العمل على تحقيق التوازن في سعر الصرف، فيكون بائعًا أو مشتريًا للعملة الأجنبية في السوق.
أمّا في العراق فإنّ مصدر العملة الأجنبية الأساس هو البنك المركزي وعلى وفق هذا التوضيح الرسمي فان (سوق الصرف التي يُتداوَل الدولار فيها هي سوق مضاربة بعملة مُحدَّدة السعر والأغراض، وهو تداول غير شرعي، ولا يمكن إضفاء الشرعية عليه، أو الإعلان عن أسعار صرف يحددها مضاربون، وينبغي على السلطات المختصة إيقاف المنصات والمواقع التي تعلن عن أسعار الصرف لعملة محدّدة السعر، يُلزم البنك المركزي العراقي تداولها بسعره المقرّر، طالما أنّه مصدَرها الوحيد) .
وهذا يعني ان سوق الصرف في العراق هي سوق مضاربة وهي سوق رمادية تؤثر فيها وتنشطها الضوضاء الملونة التي تسبب عدم الاستقرار بين عرض الدولار والطلب عليه وبالتالي سعره الرسمي وسعر السوق ، مما يصعب على البنك المركزي ان يدخل السوق لخلق التوازن من خلال بيع او شراء الدولار الذي يطرحه هو دون غيره في السوق .
والضوضاء الملونة colored noise هي مصطلح اقتصادي مالي يقوم على الاشاعة والرأي المناقض للاجراء الرسمي للسلطة النقدية في تحديد سعر الصرف لتوليد ضوضاء سعرية في سوق العملة لتحقيق الارباح من خلال المضاربة بتحديد سعر تداول معين ، والإشاعة عن وجود فجوى كبيرة بين عرض الدولار والطلب عليه في السوق.
وكما هو ملاحظ فان (الضوضاء الملونة )تنشط في سوق الصرف بين فترة واخرى ويساعد في نشاطها متغيرات اقتصادية وعقوبات دولية على دول اقليمية وظروف بيئية وأراء إعلامية غير واعية وذات جهل اقتصادي باساليب السياسة المالية والنقدية مما ينشط الطلب على الدولار كمخزن للقيمة وكوسيلة للمضاربة والتهريب وغسيل الاموال، ولذلك نرى بين حين واخر ابتعاد السعرين في السوق العراقي (السعر الرسمي وسعر المضاربة) لتبدا الضوضاء الملونة بخلق بلبلة سعرية من خلالها يتهافت من لديهم مدخرات نقدية نحو السوق لشراء المزيد من الدولار كمخزن للقيمة او للمضاربة ولاغراض التهريب او لغسيل الأموال ولمحدودية العرض دائما فان سعر السوق يرتفع من قبل المضاربين .
خلال الاسابيع الماضية لاحظنا انحسار سعر صرف الدولار لصالح الدينار العراقي ،حيث وصل سعر الصرف الى دون 1420 للدولار الواحد،مما يعني نجاح البنك المركزي العراقي في اعتماد سياسة نقدية هادئة حاول من خلالها ان يحد من الارتفاع المفرط في جعل الدولار السلعة الاهم كمخزن للقيمة والتهريب وغسيل الاموال،دون السلع الاخرى وبالذات الذهب الذي ينظر له العراقيين نظرة خاصة.
كانت اجراءات الدولة هادئة ايضا في اعتماد بعض الجوانب التي حدت من التوجه نحو الدولار منها تحقيق متطابات الامتثال ومعالجة غسيل الاموال والحد من تهريب العملة، اضافة الى طرح اكثر من صفقة من سندات بناء وسندات انجاز وهي سندات سيادية محدودة المخاطرة قصيرة الاجل لسنتين واربع سنوات قابلة للتداول والتحويل النقدي من البنك المركزي وذات عائد مجزي مما حفز المدخرات النقدية للافراد والشركات نحو التوجه الاستثماري في هذه الاصول المالية بدلا من الاستثمار في الدولار ،أضف الى ذلك تنشيط سوق العراق للاوراق وجعله سوقا فاعلا في تحفيز الاستثمار المالي واعتماد ستراتيجيات خاصة لحماية صغار المستثمرين من مخاطر الاستثمار المالي ،مع اعتماد البنك المركزي العراقي ستراتيجية خاصة مستقرة وضامنة في بيع الدولار للمسافرين شهريا وبمقدار 3000 دولار بالسعر الرسمي 1320 اضافة الى تشجيع وتسهيل استخدام بطاقات الماستر كارد ذات الدفع النقدي المباشر التي يستخدمها المسافر لاتمام عمليات الشراء والتبضع خارج العراق والحصول على
مبالغ نقدية بعملة الدولة المسافر لها وبسعر مقبول نوعما، وكان لهذه الطريقة وسيلة فاعلة للحد من اللجوء الى السوق الموازي للحصول على الدولار لحاجة المسافر المالية.
ومن الامور المهمة جدا في هذا الانحسار هو تغيير آلية نافذة بيع العملة لتمويل التجارة الخارجية من خلال الاتفاق مع مصارف كبيرة مثل Citibank و JPMorgan Chase وهي من اكبر البنوك الأمريكية العالمية لتكون بنوك مراسلة للبنوك العراقية، اضافة الى ( التعامل المباشر بالتمويل للعمليات المصرفية الخارجية بعملة اليورو والدرهم الاماراتي واليوان الصيني من خلال مراسلين مصرفين للمصارف العراقية هم من التصنيف الائتماني العالي ،ما شجع على سرعة الدفع والتحويلات، في التجارة مع اسواق الامارات وتركيا والصين وهم من اكبر مراكز التسوق التجاري للعراق ،وايضا تشجيع تمويل التجارة الصغيرة دون وساطات مكلفة وهي التجارة التي تشكل قرابة 60 من تجارة القطاع الخاص بعد رفع الكثير من القيود المفروضة سابقا والتعاطي من خلال المصارف المراسلة الرصينة نفسها وعبر المصارف العراقية مباشرة).
ولابد من الاشارة الى ان هذه الاجراءات لعبت دورها في انحسار الارتفاع في قيمة الدولار ساعد في ذلك استقرار ايرادات النفط ،حيث استقرت واردات العراق من الدولار.
مما تقدم يمكن القول ان السلطة النقدية ممثلة بالبنك المركزي كانت لديها معرفة بحدود هذه الضوضاء وطريقة اشاعتها وكانت عازمة على تقليل التفاوت بين السعرين من خلال اعتماد اجراءات قانونية رادعة للمضاربين وخالقي الضوضاء وبيع المزيد من الدولار النقدي في السوق واعتماد تلك الاساليب الفاعلة .
ان الاقتصاد العراقي اقتصاد تتوفر فيه كل مقومات النهوض والاصلاح والنمو، وعملته عملة قوية لايمكن ان تنهار كما يشيع البعض ، فالاقتصاد الذي يدخله شهريا قرابة 8 مليار دولار من تصدير النفط فقط ومقدار الاحتياطي الذي يحتفظ به البنك المركزي الذي تجاوز عتبة( 115 )مليار دولار،كما أن العراق رفع حيازاته من الذهب ليصل الى( 145.661) طن في شباط الماضي. كما ويعتبر العراق من بين أكبر 5 دول عربية من حيث حجم احتياطياتها الذهبية لذلك لايمكن ان ينهار اقتصاده.
ومن المؤكد ان القضاء على سوق المضاربة وتثبيت سعر الصرف وفق هدف البنك المركزي سوف يتحقق رغم ان الفارق بين السعرين اي بين 1320 السعر الرسمي 1420 سعر المضاربة في السوق ، مقبول نوعما فهو فارق ليس كبيرا ولا مؤثرا، ومع ذلك فان رغبات المواطنين والسوق هو تقليل الفارق او إنعدامه ، رغم المعرفة ان ذلك يحتاج الى وقت وصبر اقتصادي وادارة فاعلة وكفوءة للسياسة النقدية واجراءات قانونية ومتابعة فاعلة من السلطة النقدية للحد من المضاربين في السوق.
ان انحسار الضوضاء الملونة وارتفاع سعرصرف الدينار امام الدولار قد ساعد في تحسين قيمته الحقيقية، واثر على سلوكية المواطن الذي شعر ان ديناره قد عزز قيمته امام العملات الاجنبية.
وسوف يكون المواطن العراقي اكثر رضاءا لسياسة البنك المركزي اذا ما استمر استقرار سعر الصرف في السوق،ويكون اكثر رضاءا اذا ما فاعل البنك المركزي قدرته النقدية في حذف الاصفار من العملة العراقية،هذا هو الهدف الذي يتمناه المواطن العراقي واقتصاده .

جرب ميزات الذكاء الاصطناعي لدينا
اكتشف ما يمكن أن يفعله Daily8 AI من أجلك:
التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد...
أخبار ذات صلة


شفق نيوز
منذ 7 ساعات
- شفق نيوز
الدولار يغلق على انخفاض أمام الدينار في بغداد وأربيل بنهاية الاسبوع
شفق نيوز/ انخفضت اسعار الدولار في أسواق بغداد، واستقرت في اربيل عاصمة اقليم كوردستان، يوم الخميس، مع الاغلاق البورصة في نهاية الاسبوع. وقال مراسل وكالة شفق نيوز ان اسعار الدولار انخفضت مع اغلاق بورصتي الكفاح و الحارثية لتسجل 141950 ديناراً عراقياً مقابل 100 دولار، فيما سجلت صباح هذا اليوم 142100 دينار مقابل 100 دولارا. وأشار مراسلنا إلى ان، اسعار البيع في محال الصيرفة بالأسواق المحلية في بغداد استقرت حيث بلغ سعر البيع 143000 دينار عراقي مقابل 100 دولار، بينما بلغ الشراء 141000 دينار مقابل 100 دولار.


شبكة الإعلام العراقي
منذ 9 ساعات
- شبكة الإعلام العراقي
مصرف الرشيد يعلن تمديد بيع سندات وطنية للمواطنين
اعلن مصرف الرشيد،اليوم الخميس، عن تمديد بيع سندات وطنية للمواطنين. وقال المصرف بيان تلقته وكالة الانباء العراقية (واع) انه ' استنادا لتوجيهات البنك المركزي العراقي ووزارة المالية ، تقرر تمديد فترة بيع سندات وطنية لغاية 2025/6/3″. واضاف ان ' ذلك جاء استجابا لإقبال المستمر من المواطنين على شراء هذه السندات ' ، مبينا ان ' هذا التمديد يُعتبر فرصة إضافية للراغبين في استثمار أموالهم في أدوات مالية آمنة ومربحة '. واشار المصرف الى 'تفاصيل السندات المتاحة هي كالاتي: 1. سند بقيمة 500,000 دينار عراقي: فائدة سنوية: 8% مدة الاستثمار: سنتان دفع الفائدة: كل ستة أشهر 2.سند بقيمة 1,000,000 دينار عراقي: فائدة سنوية: 10% مدة الاستثمار: أربع سنوات دفع الفائدة: كل ستة أشهر ودعا ' المواطنين الراغبين في شراء هذه السندات الى مراجعة فروع مصرف الرشيد المنتشرة في بغداد والمحافظات ' ، لافتة الى ان ' هذه السندات تُعد فرصة استثمارية توفر دخلاً ثابتًا وآمنًا، وتساهم في دعم الاقتصاد الوطني من خلال تمويل مشاريع البناء والتنمية '. #حوار _تضامن_تنمية #قمة_بغداد_2025 المصدر : وكالة الانباء العراقية


وكالة الصحافة المستقلة
منذ 14 ساعات
- وكالة الصحافة المستقلة
الذهب يصعد لأعلى مستوى في أسبوعين مع تصاعد المخاوف الأميركية
المستقلة/- ارتفعت أسعار الذهب يوم الخميس إلى أعلى مستوياتها خلال أسبوعين، حيث توجه المستثمرون إلى أصول الملاذ الآمن وسط تصاعد المخاوف بشأن تنامي ديون الحكومة الأمريكية وتراجع الطلب على سندات الخزانة. يأتي هذا الارتفاع في ظل توتر متزايد حول الاقتصاد الأمريكي وضعف الثقة في الأصول الأمريكية. سجل الذهب في المعاملات الفورية ارتفاعًا بنسبة 0.7% ليصل إلى 3336.43 دولارًا للأوقية، وهو أعلى مستوى له منذ التاسع من مايو الجاري. كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة بنفس النسبة لتبلغ 3337.60 دولارًا. وشهدت وزارة الخزانة الأمريكية طلبًا ضعيفًا على سندات لأجل 20 عامًا بقيمة 16 مليار دولار، مما زاد من الضغوط على الدولار الأمريكي وأسواق الأسهم. وقد جاء هذا في ظل تخفيض وكالة موديز لتصنيف الائتمان الأمريكي من AAA، مما زاد من قلق المستثمرين وأدى إلى انخفاض شهية المخاطرة لديهم. يعتبر الذهب عادة استثمارًا آمنًا في أوقات الاضطرابات الاقتصادية والجيوسياسية، ويستفيد بشكل خاص من بيئة أسعار الفائدة المنخفضة التي تزيد من جاذبيته كخيار بديل عن الأصول ذات العوائد الثابتة. ومع استمرار المخاوف المتعلقة بالدين العام الأمريكي والضعف في طلب السندات، قد يستمر الذهب في تسجيل ارتفاعات إضافية، مما يعكس حالة عدم اليقين السائدة في الأسواق المالية العالمية.