أحدث الأخبار مع #outlookcom


جريدة الرؤية
١٦-٠٢-٢٠٢٥
- سياسة
- جريدة الرؤية
رجال القش
ماجد المرهون majidomarmajid@ شاهدنا جميعًا وفي أقل من عامٍ ونصف الكثير من المُغالطات التي تبنَّتها شخصياتٍ ولغت بألسِنتها في قعر انحطاطٍ غير مسبوق ضد المُقاومةٍ الفلسطينية باعتبارها خطرًا على المِنطقة وربما العالم أجمع، وهي مُغالطةٌ تتبنى تأصيل احتمال غير وارد وإشاعتهِ على نطاق واسع حتى إذا اتخذ لنفسهِ مكانًا بين الحقائق عُمد إلى حقيقة جرائم المُحتل كردة فعلٍ طبيعية وأنسنة همجيته غير القابلة للشك بزخرف القول وتقديمها كأولوية وقع عليها الظُلم وليس العكس، وهذا ليس خلطًا منهجيًا للحقائق وحسب بل محاولةٍ فجةٍ تغتصِب العقول للقبول بالنقائض دون اثارةٍ من إثبات. كما نُلاحظ إن بعض الدول المُعول عليها في هذا الشأن لم تُلقي حجًرا في ساحة الضواري وهي تنهش بني جلدتها، بل إنها لم تنبس بِبنت شَفةٍ واتخذ كُبرائها وخبرائها وعلمائها سِمة الجماد إلا ما يصدر عنه لا إراديًا نتيجة عوامل طبيعية، ولا يُعزي سكوتهم هذا حكمةً بقدر ما هو جُبنًا وتنصلًا، وإذا خاطبهم العارفون قالوا "حل الدولتين" وعادوا بعدها سيرتهم الأولى، ولا بأس لو أن الأمر توقف عند هذا الحد لقلنا كفى بالموت واعِظا إلا أنها ربطت حجارتها وأطلقت عنان بعض نابحيها وراء قوافل الحرية للتشكيك في نزاهةِ المُقاومة وأهدافها والحط من مكانتها ومقاصدها، فلا هُم وجهوا مفكريهم ومثقفيهم لقول الحق ولاهم منعوهم من تلبيسه بالباطل، وكأن طريق السلام الذي ترتسِمه الفزَّاعات الغربية الصهيونية قد رُصف وبات مسلكُه مُمهدًا باستثناء عقبة غزة البسيطة، ولم يتبق سوى عدة نقاشات على طاولةٍ مُستديرة في البيت الأسود باعتبار أن 7 عقودٍ ونيِّف قد آتت أُكلها وحان اليوم قطافها مع رجل القش الأمريكي وهو يستبيح ويحلل ويبَرء وفي نفس الوقت يغتصب ويُحرم ويُجرم، ولكن العقبة كؤود والقافلة تجري. إنه لمن بالغ الأسف أن تخرج صحفٌ عربية كانت منارًا لكلمةِ الحق أو نحسبها كذلك عن مسارها النزيه الذي لم تعُج عنه مُنذ سنين، وقد دبَّجت أقلامها خطوطًا نقشت طريقًا واضحًا لا يزيغ عنه إلا مُتعمدًا موقنًا بحيدتهِ أو مُتحرفًا لفئة باغيةٍ فقط لأن حكُوماتها مُطبِّعة تتبنى الرؤى الغربية، وإن ما يندى له الجبين ويعزب بالفطين تدليس عالِم نحرير، ومُحدثٍ منطيق للحقيقة، وهو يعلم كما نعلم أنه يصطنع من الهامش الثانوي مبالغاتٍ حتى يبني عليها نظرية رجل القش وما يلبث أن يستفرغ كل علمه ومعلوماته لعضد أقواله شائحًا بوجههِ عن أصل المشكلة ومهمشًا للأولويات، وإلا مُنذ متى كان مقاومة أي مُحتل توجهًا خاطئًا وجب تصويبهُ بثنيهُ أو ذنبًا مُقترفًا يستوجب طلب غُفرانه وعدم تكراره؟! ما بعد الطوفان ليس كما قبله، فكما انكشف القِماط عن مُصاب الأمة الدائم وانتقاض جُرحها الغائر المُتقادم تكشَّف لُثام الزيف عن وجوه نُخبة طالما توشحت به أكتافها واسدلته زينةً على أعطافها من فوق منابِر الفصاحةِ والبلاغةِ والبيان، وهم يحدثوننا دهرًا عن فضائل الجهاد ومحامد الذود عن حياض الأرض والعِباد وقد صمتوا فجأة صمت القبور حين تجلى جُرم الاحتلال على رؤوس الأشهاد، وتبين للإنس والجن تدبيرهم وما كانوا يخفون ولا ينظُرون إلا نُطق الجماد، وثاب إلى رشده من كان يساوره شيئًا من الشك يسير أو من الريبة واللا يقين في نوايا حملات استعمار القوى الغربية للمشرق الإسلامي والتي لم ولن نجد لسُنتها تبديلا. من مَثارات السُخريةِ أن بعض وسائِل الإعلام العربية تشيح بوجهها البراق عن كُل ما يحدث في القضية الفلسطينية وكأن الأمر لا يعنيها من قريبٍ أو بعيد؛ بل إنها تدأب على تبسيط وتسهيل الأحداث حتى خلُص قوسها ونَبلها إلى النيل من نُبل رموز المُقاومة واقطابها، وبلغت رؤى زرقاء يمامتِها إلى سبر مكنون نوايا المُجاهدين من خلال اجتباء ثقافة الفكر المُتطرف والإرهاب اللذين يصدرهما طازجا ومُعلبًا كبار صنَّاع السياسة العالمية، ثم احتوائه تمهيدًا لذبحهِ حسب الشريعةِ الإسلامية وتقديمه وجبة شهية على الطريقة العربية ولكن الإسلام والعرب منه براء. لا يُفترض أن يستعصي علينا اليوم كعرب ومُسلمين فهم وفك رموز اللعبة الخبيثة التي عضُلت بالإنسان الغربي ولا يزال واقعًا في متاهتها لاستحكام الروايات التضليلية التي مورست عليه، ولكن من وقع في الجهالة إزاء أقوال بعض المتوشحين بعباءة المنطق والواقعية والمناهضين للجهاد والمُقاومة، فما عليه إلا الإنصات والاستماع لأقوال وتصريحات معظم الرؤساء الغربيين الصريحة والمباشرة والعداء البين من أرفع مستوياتهم القيادية والسياسية دون مُراءاة أو مُحاباة وجُلها يصب في خدمة الكيان الصهيوني ومصلحته، ومقارنتها بالمواقف السياسية العربية والتي تمتنع في معظمها عن الرد على نفس المستوى، وليس حكمةً ورزانةً أو تروٍ وهدوء؛ بل خوفًا ورعبًا على واقعهم من أوهام رجال القشْ.


جريدة الرؤية
٠٩-٠٢-٢٠٢٥
- علوم
- جريدة الرؤية
كواليا الذكاء وزومبي الآلة
ماجد المرهون majidomarmajid@ بدأت الحياة بعد خلق الجزيء البروتيني الأول، تسارعًا بيولوجيًا منتظمًا، ومر بمراحل تطورية كثيرة تعتمد على المبدأ الذي لا يزال مستمرًا؛ وهو المعلومات المُكتسبة للكائنات وتفاعلها مع بيئتها وفي محيطها، ولكنه تطورٌ بطيء نسبيًا قياسًا بقوانين وقتنا التقليدي، حتى إذا ترسَّخ مفهوم الحياة بوجود الكائنات الحية العاقلة وعلى رأسها الإنسان توسعت مُدركاته إلى التطور الثقافي بحيث يُعيد تصميم أساليبه الفكرية إلى مراحل أكثر تقدمًا من الإبداع، وصولًا إلى الفنون والمُعتقدات والأديان ثم تبسيط سُبل معيشتهِ بُغية الرفاهية بأقل جهد مُمكن، إلى أن وصلنا اليوم للتطور التكنولوجي وبدأت تلوح في الأفُق ملامح تطور البرمجيات لإعادة تشكيل نفسها باكتساب وعيها الذاتي القادر على اتخاذ القرار في معزلٍ عن تدخل صانِعها الإنسان. بدأ اعتقاد سيطرة الذكاء الاصطناعي على الإنسان وربما الإنسانية يتسرب إلى أفكار الكثير من الناس، وقد جاء هذا الاعتقاد نتيجة التراكُم الثقافي من خلال التأصيل له في صناعة السينما وقصص الخيال العلمي، حتى بات البعض يُجزم بأن هذا التطور سيقضي على الكثير من الصناعات والوظائف، طبعًا لن يحل الذكاء الاصطناعي الذي لا يصنع رغيفًا محل الذكاء الإنساني إلا في حالةٍ واحدةٍ فقط وهي عزل الإلهام الفِطري -مُحرك الإنسان الخفي- وهذا الاستثناء يُكافئ مُعتقد عبَّاد العلم واللادينيين من مُنكري الروح، ويميل بهم جدًا إلى تأكيد فرضية سيطرة الآلة إلى درجة التحكم بكل مفاصِل الحياة وهو افتراض لا يتأكد عن المؤمنين بوجود الخالق والروح والتكليف المُرتبط بالوعي. لا يزال الوعي في أصلهِ مُبهمًا ولا يوجد له تعريفٌ حقيقي مُقنع، إلّا أن الإدراك العقلي للحدث واتخاذ القرار في نوعية التعامل معه هو أبسط شرحٍ يُمكن تلخيصه، كما أن للحيوانات نوعا من الوعي بتطويع تفاعلها غرزيًا للبقاء فقط وهذا في أقل مفاهيمه أو ما يُعرف بـ"الكواليا"؛ وهي الطريقة التي يرى بها كل مخلوق العالم من منظورهِ الخاص وكيفية إدراكه وتحليله وآلية التعامل معه واستقلالية قراره بما في ذلك الفِطرة الحيوانية، إلا أنها تختلف عن فطرة الإنسان الدافعة للبحث والترقي المعرفي والمعيشي السريع، وهي تواكب حقيقة بقاء الإنسان مُتحكمًا بمجريات الأمور وفي مُقدمتها صناعة واتخاذ القرار، باعتبار أن ذكاء الآلة مهما بلغ حجم المعلومات وتنظيم الأولويات اصطناعيا سيفتقر على الدوام لاكتساب وعيه الخاص لعدم وجود الروح وما ينتج عنها من تفاعلات لاعتبارات حسية وعاطفية. سيقوم الإعلام من مُنطلق شغف الإنسان بالغرائب والعجائب بالترويج لفرضيات هيمنة الآلة بذكائها المُصطنع على تسيير مُجريات الأحداث مُستقبلًا بحيث تعمل بموجب وعيها الخاص والذي تبني عليه عملية صناعة القرار من الصفر ونزاهة اتخاذه دون دخالةٍ إنسانية، مع أنه أمر غير وارد، إلّا ما تم إدخاله إنسانيًا لها ولكن هناك من يُحاول تأكيد الوعي المُستقِّل للذكاء الاصطناعي وتضخيمه إلى منزِلة تحكُمه المُطلق بِكل شيء، ومن البديهي أن تظهر في هذه المرحلة تحديات أخلاقية حول مفاهيمٍ لم تُعرف سابقًا ويمكن تحليلها في تأمُلاتٍ عقلية جديدة تُفضي إلى فلسفة الزومبي كنُسخة من الإنسان المُتصرف ولكنه غير قادر على إدراك نفسه. يذهب بعض خُبراء الغرب من علماء وفلاسفة محدثين وشخصياتٍ مرموقةٍ من رجال أعمال وسياسيين إلى ما بعد الذكاء الاصطناعي فيما يُسمى بالذكاء الخارق، وذلك لأن الإنسان هو المخلوق الوحيد على الأرض الذي يُمكنه تصور خيالات وخُرافات وما ورائيات قد لا تكون موجودة إلّا في خياله، ومع إضفاء بعض المُمارسات الحياتية المتزامنة مع تلك التصورات فإنها ستتخذ نوعًا من الصلابةِ في ذهنه وتتحول بمرور الوقت إلى مُسلَّماتٍ شبه حقيقةٍ يمكنه التعامل معها على أسس وجودية كالتطور التكنولوجي الخارق، بحيث تُعيد الآلة بناء وعيها الذاتي وتنقلب على البشر وهذه رؤية ذات نزعة خيالية مُحبَّبه وجاذبة، مع عدم نفينا بأن قمة الذكاء أن يتحاور المرء مع جهازٍ إلكتروني في حديثٍ يصل إلى عدم القدرة على التمييز بينه وبين الإنسان، ولكن هذا لا يُثبت أن تلك الآلة تتحدث بوجوب وعي إدراكي كون حديثها ما هو إلا بِناء على مخزونٍ تراكميٍ هائل من المعلومات تقوم بحوسبة خوارزمياتها محركات صياغة بالغة السرعة وهي تتضخم وتتعاظم شبكيًا بحسب زيادة عدد المُستخدمين والذين يقومون بدورهم في تغذيتها بالمعلومات، فضلًا عن المعارف الموسوعية التي غُذيت به تلك المُحركات، وسوف تعود للعدم في حالة انقطاع الكهرباء عنها. وفي الأخير.. لا يسعني إلّا التساؤل أين نحن من كُل هذا، وهل نعي فعلًا أهمية سباق الذكاء الاصطناعي؟! لا يبدو لي ذلك لأنني سئمت مقولة توحد الجهود العربية وبتنا نقف موقف المُتفرج على حرب تقنيةٍ باردةٍ في ظاهرها ساخنة وفي باطنها كما تفرجنا سابقًا على عدة معارك، وأمثلنا طريقة هو من يستطيع الكلام كما أفعل الآن وانتظار نتائج اصطراع المُعسكر الغربي الأمريكي مع المُعسكر الشرقي الصيني في محاولات السيطرة عليه وامتلاك النفوذ الأكبر للتحكم به، لأنها بلغت مبلغًا بعيدًا من الوعي في إدراك أهمية وضرورة هذه الثورة العلمية الاستثنائية وغير المسبوقة في تاريخ التطور الإنساني.