logo
اللغة هي شكل محتوى الفكر

اللغة هي شكل محتوى الفكر

شبكة النبأ١٧-٠٥-٢٠٢٥

اللغة إثناء زمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ابجديا ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور التفكير الصوري لغويا. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن...
التساؤل كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز إدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة. إذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من إدراك وتأويل واحد؟.
هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأنه يكون ذلك إستحالة إدراكية تعجيزية للعقل. في إمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا. إن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكر، أو أن اللغة هي بيت الوجود وأن اللغة مبتدأ ومنتهى إدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي.
جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على أنها فعالية إدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم إدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال إدحاضه في الإحتكام للعقل إدراكه الوجود.
في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل أو خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا ومتعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه عقليا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالأحرى من أجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة.
صمت اللغة في إشكالية الفصل بين اللغة والفكر
حين نقول تفكير العقل الداخلي الاستبطاني المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا. وبالواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، إنما هما في الأصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخّيل آخر. أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع) المدرك في زمن واحد، وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي.
إن ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس بما لا يحصى في تنوعها وتوقيتاتها الزمنية المتباعدة والمختلفة في نوعيتها، لايعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الإنعكاسية الإرادية وغير الإرادية لها بعشوائية من دون تراتيبية يعتمدها العقل.
ذهبنا الى إستحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة إفصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود أو شيء ما في العالم الخارجي. وليس في التفكير الصامت داخليا للعقل. نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة. بإعتبار اللغة فعالية العقل في تعيين إدركاته للموجودات والاشياء الخارجية.
لكننا نجازف بالمباشرقولنا أنه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي أو خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لأنه وسيلة تفكير العقل المعقدة الوحيدة في تخليقه لموضوعه بوسيلة الفكر لوحدها دونما اللغة، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي، أي وجود خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه بعد تخليق العقل له.
للتوضيح أكثر التفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوع واقعي أو شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، أما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو إلهام تخييلي في إنتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا بلغة جمالية خاصة في حالة من الكمون خلف فهم الوجود الجمالي، لم يكن إدراكه متيّسرا قبل إفصاح العقل له وتخليقه جماليا، كما في خيال إنتاج لوحة فنية أو قطعة نحتية أو أي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام أو لغة الكتابة.
نأتي الآن الى معالجة أصل إمكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها إستحالة إدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في إستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالإدراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها.
يبقى عندنا أن التفكير العقلي الصامت ماديا أو خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا في لحظات زمنية وأثناء التفكيربموضوع ما،أي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته كوسيط بموضوع الفكرالذي نقلته الحواس المدركة للاشياء أو في موضوع إبتدعه الخيال ايضا يحتاج العقل الفكر كوسيط في تخليقه وإعادته الى عالم الاشياء باللغة المعّبرة عنه. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت. اللغة في تفكير العقل الصامت لا أهمية ولا وجود لها يتاح إدراكه من غير الشخص الذي يفكربموضوعه عقليا ويبقى الفكر وحده وسيلة العقل في التفكير وتخليقه مواضيع الخيال العقلية.
وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة ألا على أنها جزء من الفكر وملازمة له خارج ألدماغ أو العقل في وجود الاشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره إلا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل (الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء.
وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة في إتمام عملية الإدراك، ولكن تبقى اللغة في إثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها بأولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة إدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها لموضوعها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات.
بمعنى توضيحي أن اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقليّن كليهما عن العالم الخارجي، وإنما تستمد اللغة أقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل خارج وعي العقل لها في زمنية محددة تلزم عقلا مفكرا واحدا في موضوع واحد، هو غير مدرك وجودا لغويا لدى غيره من عقول تختلف في إدراكها وتفكيرها والتعبير ربما في نفس الموضوع. وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون إدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وأيضا من الفكر واللغة.
لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية إنشغال العقل في التعبير اللغوي خارجيا عنه. اللغة إثناء زمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ابجديا ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور التفكير الصوري لغويا. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن العقل بتفكيره بمقدوره تفعيل حضوره بلا لغة تعبير غير ملزمة لنقل تفكير العقل الى مدركاته الشيئية.

Orange background

جرب ميزات الذكاء الاصطناعي لدينا

اكتشف ما يمكن أن يفعله Daily8 AI من أجلك:

التعليقات

لا يوجد تعليقات بعد...

أخبار ذات صلة

اللغة هي شكل محتوى الفكر
اللغة هي شكل محتوى الفكر

شبكة النبأ

time١٧-٠٥-٢٠٢٥

  • شبكة النبأ

اللغة هي شكل محتوى الفكر

اللغة إثناء زمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ابجديا ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور التفكير الصوري لغويا. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن... التساؤل كيف تكون اللغة هي الفكرحسب ما تذهب له جميع نظريات علم اللغة واللسانيات المعاصرة، ولماذا يعجز إدراك العقل للاشياء التفريق بينهما أي بين الفكر واللغة. إذا كانا يحملان مدلولين متباينين مختلفين في تعبيرهما عن الموضوع الواحد بأكثر من إدراك وتأويل واحد؟. هنا اللغة والفكر الملازم لها في التعبيرليس بمقدورهما تفسير وجود الاشياء بمعزل أحدهما عن الاخر أي بمعزل اللغة عن الفكر، أو الفكر عن اللغة لأنه يكون ذلك إستحالة إدراكية تعجيزية للعقل. في إمتناع الفكر واللغة التعبير عما يرغب العقل التعبير عنه وجودا مدركا. إن في عجز الفلسفة الخروج عن نظرياتها المفترضة شبه الثابتة أن الفكر هو اللغة المعبّرة عنه، أو أن اللغة هي وعاء الفكر، أو أن اللغة هي بيت الوجود وأن اللغة مبتدأ ومنتهى إدراك وجود الاشياء في العالم الخارجي. جميع هذه التعبيرات الفلسفية تفهم اللغة على أنها فعالية إدراكية عقلية في تحديد الفكرة أو الموضوع في تموضعهما خارجيا كي يتم إدراك الشيء ومعرفته من قبل الآخرين من الذوات العقلية المدركة وهو صحيح الى حد كبيرولا يتوفر مجال إدحاضه في الإحتكام للعقل إدراكه الوجود. في هذه الحالة حين تكون اللغة هي تعبير عن فكرة متموضعة داخل أو خارج العقل،يستحيل الفصل بين اللغة والفكرة أو الموضوع المعّبرعنه بهما. فبهما (الفكر واللغة) أصبح التفكير الذهني العقلي موضوعا ومتعيّنا وجودا في العالم الخارجي بعد تخليقه عقليا، وفي هذا يكون تفكير العقل خارجيا أو بالأحرى من أجل فهم الوجود الخارجي للاشياء المستقلة. صمت اللغة في إشكالية الفصل بين اللغة والفكر حين نقول تفكير العقل الداخلي الاستبطاني المقصود به هو التفكير الصامت، أما تفكير العقل خارجيا فهو عندما يجري تعبير اللغة عن موضوع تفكيرالعقل واقعيا ماديا. وبالواقع أن هذا التفريق في تفكير العقل داخليا صمتا وخارجيا بوسيلة اللغة، إنما هما في الأصل تفكير واحد للعقل في موضوع محدد مشترك يتميّز به بمعزل عن كل موجود مادي أو متخّيل آخر. أي أن العقل واللغة والفكر يجمعهم (وحدة الموضوع) المدرك في زمن واحد، وهكذا هي الحال في تناول أي موضوع أو شيء من العالم الخارجي. إن ادراك العقل للاشياء الواردة له عن طريق الحواس بما لا يحصى في تنوعها وتوقيتاتها الزمنية المتباعدة والمختلفة في نوعيتها، لايعقلها العقل دفعة واحدة، ويعطي الدماغ ردود الافعال الإنعكاسية الإرادية وغير الإرادية لها بعشوائية من دون تراتيبية يعتمدها العقل. ذهبنا الى إستحالة فصل اللغة عن الفكر في حالة إفصاح العقل عن فهمه وتعّينه لموجود أو شيء ما في العالم الخارجي. وليس في التفكير الصامت داخليا للعقل. نذّكر أن علم اللغة واللسانيات تعتبر اللغة والفكر هما وجهين لعملة واحدة ولا تفريق بينهما كما ذكرنا سابقا، فاللغة هي الفكر المعبّر عنه حسب ريكور وفنجشتين ودي سوسيروجومسكي وجميع فلاسفة وعلماء اللغة. بإعتبار اللغة فعالية العقل في تعيين إدركاته للموجودات والاشياء الخارجية. لكننا نجازف بالمباشرقولنا أنه يمكننا فصل الفكر عن اللغة عندما يكون تفكير العقل صمتا داخليا في التفكيربوجود شيء مادي أو خيالي لا يحتاج لغة التعبير عنه بل يحتاج الفكر وحده لأنه وسيلة تفكير العقل المعقدة الوحيدة في تخليقه لموضوعه بوسيلة الفكر لوحدها دونما اللغة، ويكون صمتا داخليا متخيّلا ايضا في تفكير العقل لموضوعه كوجود غير مادي، أي وجود خيالي لا يرتبط وغير ملزم التعبير اللغوي عنه بعد تخليق العقل له. للتوضيح أكثر التفكيرالمادي الصامت هو في معالجته موضوع واقعي أو شيء ما بالتفكير المجرد كمتعيّن موجود في العالم الخارجي، أما في تفكير الصمت (الخيالي) غير المعبّر عنه باللغة فهو إلهام تخييلي في إنتاج العقل موضوعا يدرك خارجيا بلغة جمالية خاصة في حالة من الكمون خلف فهم الوجود الجمالي، لم يكن إدراكه متيّسرا قبل إفصاح العقل له وتخليقه جماليا، كما في خيال إنتاج لوحة فنية أو قطعة نحتية أو أي ضرب من ضروب التشكيل ومعالجات علم الجمال الذي من المتاح الممكن التعبير عنه بغير لغة الكلام أو لغة الكتابة. نأتي الآن الى معالجة أصل إمكانية فصل الفكر عن اللغة، على أنها إستحالة إدراكية في فهم الاشياء والمواضيع في حال وجودها في العالم الخارجي في إستقلالية عن الانسان سواء كانت مواضيع تناولها العقل بالإدراك وأعادها باللغة والفكر ثانية الى عالم الواقع من جديد بعد تخليقها، أو لم يدركها في وجودها المستقل التي أيضا تستطيع الحواس و اللغة التعبير عنها. يبقى عندنا أن التفكير العقلي الصامت ماديا أو خياليا فأن آلية العقل في التفكير تستطيع فصل اللغة عن الفكر طالما هما حاضران ذهنيا في لحظات زمنية وأثناء التفكيربموضوع ما،أي حينما يفكر العقل صمتا فهويفكّربالفكرذاته كوسيط بموضوع الفكرالذي نقلته الحواس المدركة للاشياء أو في موضوع إبتدعه الخيال ايضا يحتاج العقل الفكر كوسيط في تخليقه وإعادته الى عالم الاشياء باللغة المعّبرة عنه. وليس باللغة خارج موضوعه في التفكير الصامت. اللغة في تفكير العقل الصامت لا أهمية ولا وجود لها يتاح إدراكه من غير الشخص الذي يفكربموضوعه عقليا ويبقى الفكر وحده وسيلة العقل في التفكير وتخليقه مواضيع الخيال العقلية. وطالما كانت اللغة والتفكير معطّلان كوظيفة نقل ما يقترحه العقل عليهما نقله الى العالم الخارجي، أي بقاء العقل يفكر ذاتيا صمتا بمعزل عن نقل ما يفكر به لغويا، فأن العقل وسيلة تفكيره الفكر ذاته فقط ولا يحتاج اللغة ألا على أنها جزء من الفكر وملازمة له خارج ألدماغ أو العقل في وجود الاشياء، وتفكير العقل وتخليقه لموضوعه، فلا يدرك خارجيا من غيره إلا بواسطة اللغة فقط الناقلة للفكر من داخل العقل (الدماغ) الى واقع الوجود في عالم الاشياء. وعندما يتجسد ويتعين الموضوع في عالم الاشياء الخارجي بالتعبير عنه لغويا أو بأية وسيلة تعبير غير اللغة الصوتية أو المكتوبة، فهنا لا يصبح فصل الفكرعن اللغة ذات أهمية كبيرة في إتمام عملية الإدراك، ولكن تبقى اللغة في إثناء عملية تفكير العقل (صمتا) في مرتبة ثانوية بعد الفكر في مقارنتها بأولويتها في التعبير عن الوجودات الخارجية في العالم الخارجي والطبيعة خارج هيمنة إدراك الحس والعقل لها بعد تخليقها لموضوعها، عندما تكون اللغة جزءا لا ينفصل عن موضوعها الذي عبّرت عنه في عالم الاشياء والموجودات. بمعنى توضيحي أن اللغة لا تستمد فعاليتها داخل تفكيرالعقل الصامت جوّانيا بموضوعه مع ذاته المستقليّن كليهما عن العالم الخارجي، وإنما تستمد اللغة أقصى فاعليتها في التعبير عن الاشياء في وجودها الخارجي المستقل خارج وعي العقل لها في زمنية محددة تلزم عقلا مفكرا واحدا في موضوع واحد، هو غير مدرك وجودا لغويا لدى غيره من عقول تختلف في إدراكها وتفكيرها والتعبير ربما في نفس الموضوع. وحتى في هذه الحالة فالفكر وتعبير اللغة يبقيان قاصرين عن التعبير عن الموجودات المستقلة من دون إدراك العقل لها وتحديده نوعية الفكر ونوعية اللغة المعبّرةعنها. ويكون وعي الذات هي كينونة متشّكلة من الوجود المدرك، بالمحسوسات، ومن والعقل، وأيضا من الفكر واللغة. لذا عندما يكون تفكير العقل صمتا جوّانيا، يصبح التفكير بالشيء سابق على لغة التعبير عنه خارجيا. فالموضوع المفكّر به صمتا غير لغوي يبقى حبيس ووصاية العقل في التفكير به قبل أهمية إنشغال العقل في التعبير اللغوي خارجيا عنه. اللغة إثناء زمنية تفكير العقل بموضوعه صمتا داخليا، تكون ملازمة لعملية تفكير العقل ابجديا ذاتيا، لكنها لا تتقدم تفكير العقل. فليس كل تفكير داخل العقل صمتا يلزم حضور اللغة معه لكنه يلزم حضور التفكير الصوري لغويا. فالعقل بلا تفكير لا قيمة له، لكن العقل بتفكيره بمقدوره تفعيل حضوره بلا لغة تعبير غير ملزمة لنقل تفكير العقل الى مدركاته الشيئية.

هشاشة الإنسان: مقاربات بول ريكور
هشاشة الإنسان: مقاربات بول ريكور

النهار

time٢٩-٠٤-٢٠٢٥

  • النهار

هشاشة الإنسان: مقاربات بول ريكور

من خلال أعمال المفكر والفيلسوف بول ريكور، يقارب كتاب "هشاشة الإنسان" الصادر حديثاً عن جامعة رين الفرنسية، مسألة هشاشة الحياة البشرية، في مواجهة وهم مركزية الإنسان المطلقة، والتناقض المتزايد بين فكرة سيطرة الإنسان على الطبيعة وبين تزايد هشاشته أمام معضلات الوجود، وذلك عبر ثلاثة مجالات رئيسية، حيث تتحاور الفلسفة مع الطب والأنثروبولوجيا. يضم الكتاب- الذي أشرف عليه الفيلسوف جيروم بوري- دراسات مستوحاة من أفكار ريكور، من دون أن تكون تحليلاً شاملاً لأعماله. فقد كان ريكور نفسه يرغب في أن يواصل أصدقاؤه البحث في أفكاره بدلاً من أن يصبحوا مجرد تلاميذ له. ومن بين هذه الأفكار، تأتي مسألة هشاشة الإنسان كموضوع مركزي، وهي فكرة تتناقض مع عنف العالم المعاصر، حيث يتجلى هذا العنف أحياناً بشكل صريح، وأحياناً أخرى تحت ستار اللطف والمنافسة والإنجاز. وينطلق الكتاب من التعريف الفريد الذي قدمه ريكور للهشاشة على نحو ضمني بوصفها "فرحة النعم في الحزن المحدود". شهد بول ريكور (1913-2015) الصراعات الأوروبية في القرن العشرين والتي شكلت جزءاً أساسياً من تاريخه الشخصي. فقد قُتل والده في معركة المارن عام 1915، وظل هو نفسه سجيناً في ألمانيا من عام 1940 حتى التحرير. سنوات تعلم خلالها لغات أجنبية عدة واستطاع أن يكتسب معرفة واسعةً من الثقافة الألمانية. وهي سنوات أثرت على رؤيته للصلابة والهشاشة البشرية، إذ أصبحت الحرب تشكل الخلفية لكل تفكيره حول الإنسان. فقد تناول ريكور موضوع الهشاشة في كتابه "فلسفة الإرادة" (1950-1960)، حيث درس العلاقة بين الإرادي واللاإرادي. فالإنسان ليس كائناً حراً تماماً، بل هو كائن قابل للخطأ بطبيعته: قادر على الخير كما على الشر. وهذه القابلية للخطأ لا تعني مجرد نقص، بل تشير إلى عدم التناسب (مفهوم مستوحى من باسكال) بين المحدود واللامحدود، بين الجسد والروح، بين الرغبة والواقع. بهذا المعنى، يكون الإنسان كائناً منقسماً، يحيط به الحزن المحدود (النقص، الخسارة، الندم)، لكنه يحمل في الوقت نفسه فرح "النعم"، أي قدرته على تأكيد الحياة رغم كل شيء. إذن، الهشاشة ليست سلبية بالكامل، بل هي أساس القدرة الإنسانية. يتحدث ريكور هنا عن "الإنسان القادر"، المزود بموارد العدالة واللغة التي تمكنه من تجاوز الصراعات الداخلية والخارجية. وتؤدّي اللغة دوراً محورياً في هذه الفلسفة. فهي أداة للوساطة، والحوار، والسرد، والاستعارة، ما يوفر إجابات للشر الذي يتجلى غالبًا كقطع للروابط والمعنى. كما يقول ريكور: "أقصر طريق بين الذات والذات يمر عبر الآخر"، مؤكداً بذلك أهمية التبادل والتواصل، فضلاً عن المواجهة الراهنة بين الهشاشة واليوتوبيات التقنية، أين تسعى اليوتوبيات العابرة للإنسانية وخطابات "التنمية الذاتية" أو "علم النفس الإيجابي" إلى إنكار هشاشة الإنسان، بوعودها بالسعادة المطلقة و"تعزيز" الإنسان عبر التكنولوجيا. فهذه الرؤى تُقلص الهشاشة إلى مجرد مرض أو شيخوخة أو موت، من دون أن تدرك أنها جوهرية في الإنسان. لكن هذه الهشاشة لا يمكن تخطيها، فهي أساس قدراتنا على التعاطف والتراحم واستقبال الآخر، ومحاولة إلغائها قد تؤدي إلى تجريد الإنسان من إنسانيته، وتحويله إلى آلة مُحسَّنة، تفتقر إلى المعنى والعلاقات الحقيقية. ويستكشف الكتاب الهشاشة من ثلاث زوايا. أولاً، هشاشة الحياة البشرية - من خلال الفلسفة والطب - وهنا تختلف هشاشة الإنسان عن هشاشة الكائنات الحية الأخرى. فمثلاً، المرض ليس مجرد ظاهرة بيولوجية، بل هو مرتبط بتاريخ المريض وثقافته وعلاقاته. لذا، يجب أن يراعي العلاج هذا التعقيد، معترفاً بأن الهشاشة قد تكون أيضاً مصدراً للقدرة (القدرة على التجاوز وإعطاء المعنى). والجانب الثاني، هو هشاشة "الإنساني" في الإنسان - من خلال الفلسفة والأنثروبولوجيا - وفي هذا الجانب يبدو الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على إنكار إنسانيته (من خلال العنف أو الاستغلال). أما الزاوية الثالثة للهشاشة فهي هشاشة المؤسسات، وهي المؤسسات الرمزية مثل العائلة والمجتمع والجماعة، ولكن أيضاً المؤسسات السياسية، وبشكل أكثر تحديداً المؤسسات الديموقراطية، والتي ربما هي المؤسسات الوحيدة التي تحافظ على حدٍ أدنى من إنسانية الإنسان. والتي تنتمي إلى فكرة هشةٍ بقدر ماهي قوية، لأنها تترك الصراعات مفتوحة. وهي تعتمد على مؤسسات حامية، يجب الحفاظ عليها من العنف والنسيان.

كيف تموت اللغة؟
كيف تموت اللغة؟

شبكة النبأ

time١٩-١٠-٢٠٢٤

  • شبكة النبأ

كيف تموت اللغة؟

وجود مشاريع عالمية عملاقة على مستوى محاولات إنقاذ الأحياء المهددة بالانقراض، وما يعظم الهمم في نفوس أصحاب تلك المشاريع هو إدراكهم للنفع العظيم المترتب على بقاء التنوع الإحيائي ماثلًا في الوجود والطبيعة، وعليه يمكن استدعاء هذا المنطق أيضا للدفاع عن فكرة الإبقاء على التنوع اللغوي الإنساني هو الآخر، وتأمين الحماية اللازمة للغات... المنقرض أو المهدد بالانقراض هو وصف شائع في عالم الأحياء، ولكنه متداول أيضا في أوساط اللغويين، والباحثين في مجالات علم الإنسان أو الانثربولوجيا، وكذلك في نطاق علم اللغة الاجتماعي، فاللغة -بهذا التوصيف- كما هو الحال في الكائن الحي تحيا ثم تفنى، وبحسب تقديرات عام 2024م فإن 90% من اللغات المنطوقة في العالم- وعددها الكلي 6000 لغة تقريبا- مرشحٌ للاختفاء تمامًا عام 2050م. موت اللغة أم نومها تصل بعض اللغات إلى سكرات الموت بعد أن تحل محلها لغة مهيمنة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا سواء أكان هذا الحلول كرها كما في حالة استعمار بلد لبلد آخر أو طوعا كما يحصل داخل مجتمعات المهاجرين. ويبدو لي أنه ليس من المناسب استعمال عبارات من قبيل موت اللغة أو ما يرادفها نحو انقراض اللغة، وفنائها؛ لأن ثمة من يتوسع في هذا المفهوم فينعت بعض اللغات الحيّة -تعسفا- بنعوت الموت والانقراض كذلك. أذكر أني حضرت مناقشة علمية لأطروحة دكتوراه في فلسفة اللغة العربية في إحدى أعرق الجامعات لدينا، وما لفت انتباهي، أو بالأحرى ما أثار استغرابي حينها أن أحد أعضاء لجنة المناقشة كان يكرر بإصرار شديد عبارة أن اللغة العربية هي لغة ميتة، لأنها غير صالحة للتكلم بها حسب تعبيره! لذا فإن الأكثر مناسبة لسياق هذا الحديث -كما يبدو لي- هو الترويج -قدر الإمكان- لمصطلح نوم اللغة لا موتها، وهي العبارة التي تجري على ألسنة بعض اللغويين الغربيين المعاصرين، ومنهم الباحث في معهد هارفرد (روبرتو زاريكي) الذي يجزم بإمكانية تنشيط اللغة أو إيقاظها من نومها، ولكن مع توفر شروط معينة يقف في مقدمتها وجود العاطفة العرقية لهذه اللغة أو تلك فضلا عن توفير ما يكفي من بيانات وموارد، وقد جرى ذلك التنشيط أو الإيقاظ بالفعل في مناطق عديدة من العالم، وبلغت اللغات التي جرى العمل على تنشيطها أو إيقاظها العشرات بل المئات، ومن أبرزها اللغة العبرية في فلسطين، ولغة مانكس، ولغة كورنش، ولغة يوتشي، وغيرها من اللغات المتوزعة جغرافيا بصورة أساسية في العديد من الولايات المتحدة الأمريكية، مثل أوكلاهوما، وكالفورنيا، ومشغان، وكولارادو، وتكساس، وأريزونا، وغيرها. والأمر نفسه يجري العمل بمقتضاه في مقاطعات أسترالية عديدة. أنواع ودواعي خروج اللغات من قيد الاستعمال يمكن تصنيف خروج اللغات من دائرة التداول إلى ثلاثة أنواع رئيسية: الأول وهو ما يحدث بصورة طبيعية، والثاني ما يكون نتيجة للقسر والإكراه الخارجي، والثالث ما يكون عن إرادة واختيار ذاتي. وبقدر ما يتعلق الأمر بالنوع الأول فحتى أكثر اللغات انتشارًا تبدأ في مرحلة زمنية ما بفقدان هيمنتها لتعقبها بعد ذلك وعلى نحو تدريجي مرحلة فقدان آخر متحدثيها، كما حدث ذلك بالفعل تاريخيا مع اللغات السومرية، واللاتينية، والسنسكريتية، وغيرها. أما النوع الثاني فغالبا ما يكون نتاجا لأفعال قسرية خارجية، ويمكن إدراك غاياته ومراميه من خلال فهم حقيقة أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب بل هي أداة للهيمنة والسلطة السياسية، ومن هنا فقد نشأ مفهوم ما يعرف بالحروب اللغوية، وهو المفهوم الذي أدى إلى الاندثار القسري لكثير من اللغات التي وئدت داخل حاضناتها الاجتماعية الأصلية لأسباب إستعمارية محضة، وأحدث الشواهد على ذلك سياسات القمع اللغوي التي مورست (سابقًا) ضد السكان الأصليين في كل من أمريكا الشمالية وكندا وأستراليا، وهم السكان الذين أجبروا على ترك اللغة الأم، وتعلّم لغة المحتل الأجنبي. والقمع اللغوي ما يزال أداة مفضلة تعزز بها النخب الحاكمة الأجنبية أو المحلية سيطرتها وسطوتها على المؤسسات والثروات والموارد، ويدخل ضمن ذلك النطاق بطبيعة الحال المحكومون المختلفون لغويًا. أما النوع الثالث فيتمثل باختيار أبناء الأقليات طوعا التخلي عن لغاتهم الأصلية وتبني لغة الأغلبية حتى في حياتهم المنزلية، وتتداخل في هذا النوع أحيانا عوامل الرغبة والرهبة، فهو وإن اتخذ طابعا اقتصاديا لكنه يكون في أحيان ليست بالقليلة ناتجا عن دوافع عنصرية اجتماعية وحتى في البلدان التي تبيح أنظمتها القانونية والسياسية -في الوقت الحاضر- التعددية اللغوية. التنوع الإحيائي والتنوع اللغوي لقد بدأنا النقاش في هذا الموضوع ببيان علاقة علم الإحياء بعلم اللغة، ونريد هنا تسليط الضوء على هذه العلاقة ثانيةً، إذ لا يختلف اثنان على حقيقة وجود مشاريع عالمية عملاقة على مستوى محاولات إنقاذ الأحياء المهددة بالانقراض، وما يعظم الهمم في نفوس أصحاب تلك المشاريع هو إدراكهم للنفع العظيم المترتب على بقاء التنوع الإحيائي ماثلًا في الوجود والطبيعة، وعليه يمكن استدعاء هذا المنطق أيضا للدفاع عن فكرة الإبقاء على التنوع اللغوي الإنساني هو الآخر، وتأمين الحماية اللازمة للغات الخارجة -طوعا أو كرها- من مناطق التداول الإنساني، والحيلولة دون ضياعها لاسيما أن في ضياع أي لغة إنسانية ضياعا لفكر بأكمله ولتراث بأكمله، وسواء أكان الأدق في وسم السرد الذي تتبعنا خطوطه العريضة في هذا المقال بوسم موت اللغة، أو نومها فإن النتيجة في الأحوال جميعها تمثل خسارة جسيمة ينبغي أن لا يُنظر إليها نظرة باردة خالية من مشاعر الفقد! وبحسب تشبيه عالم اللغة الأمريكي (كينث هيل) الذي نقلنا بتصرف شيئا من أفكاره آنفا فإن فقدان أي لغة بشرية أشبه ما يكون بعملية إلقاء قنبلة على متحف تُطيح بجزء عزيز من الذاكرة الجماعية لبني الإنسان.

حمل التطبيق

حمّل التطبيق الآن وابدأ باستخدامه الآن

مستعد لاستكشاف الأخبار والأحداث العالمية؟ حمّل التطبيق الآن من متجر التطبيقات المفضل لديك وابدأ رحلتك لاكتشاف ما يجري حولك.
app-storeplay-store