"محاولة لتهدئة بحر الغضب" لمحمد العبدالله...اختصار أحوالنا
على هامش ندوات "الأغاني الساخرة" التي تنظمها "مؤسسة أمار" في قصر سرسق في الأشرفية - بيروت، يمكن الحديث في لبنان عن تيمات كوميدية تهكمية لغوية كثيرة في هذا المجال، من حنكشيات الزحلاوي نجيب حنكش الذي وُصف بـ"إبتسامة ساخرة تمشي على قدمين"، إلى"تفتت اللغة" في طقاطيق "شيخ الملحنين" فيلمون وهبي، إلى زجليات البيروتي عمر الزعني ودبابيسه الانتقادية. ومن يوميات شوشو المسرحية الذي "هزمته الديون والرقابة"، إلى تدمير الكلام في معجم زياد الرحباني "المتمرّد الذي غنى لغة الشارع"، وحتى بعض أغاني مارسيل خليفة في "الليلة بدي خلي الكاس"، وهوارة العاقوري الجبيلي الراحل، آلان مرعب، وحدية طبيب الأسنان مخول قصوف "في "مثقفون نون". وصولاً إلى السخرية في الزجل ككل، وفي شعر الأخوانيات الذي طالما تبناه الشعراء في المقاهي وفي أحاديثهم الشفوية، لكنهم عزلوه في ارشيفهم، رغم دعوة شوقي بزيع في إحدى مقالاته إلى اطلاق سراح هذا النوع من الشعر، لكن الإصدرات بقيت محدودة في تجارب لطارق آل ناصرالدين وناجي بيضون.
وكي لا يطول الكلام حول الأغاني الساخرة، سأختصر الحديث في أغنية واحدة، غير متداولة كثيراً في الاذاعات ومحطات التلفزة. وربما كانت تحتاج لحناً آخر لإيصالها، وهي معبّرة عن أحوال لبنان وفلسطين وسوريا والعراق.
إذ يُروى، والله أعلم، أنّ الشاعر اللبناني الخيامي، رفيق سهراتنا في شارع الحمرا، الراحل محمد العبد الله، صاحب "رسائل الوحشة" و"حبيبتي الدولة" التي هي "رهاننا الوحيد مهما كان ضعيفاً" و"هي المشكلة وهي الحل"، كان في مدينة صور الساحلية الجنوبية، يبتاع من "فلافل بوّاب" في أواخر أيّام الحرب الأهلية. ركله أحدهم وتبيّن أنّه عنصر في إحدى التنظيمات المسيطرة والمهيمنة في ذلك الزمان، أو مسؤول فيها وربما ما زال. فكتب العبدالله قصيدة عنونها "محاولة لتهدئة بحر الغضب"، غناها في ما بعد الفنان اليساري الجبيلي، سامي حواط، وتقول كلماتها:
أحد الإخوان،
وأنا أبتاع رغيف فلافل
من ذاك الدكان،
لم يعجبه أمرٌ، لا أعرفه، فيّ،
فيدايَ كأيدي الناسْ
وكذلكَ رجلاي وعيناي
وأيضًا لا أختلفُ حذاءً ولباسْ
أحد الإخوان ...
لبطني
وأنا إن قيس الإنسان بهامته
سأساوي بالنسبة للأخّ اثنينْ
أو قيس الإنسان بفكرته
سأساوي ألفينْ
أو قيس الإنسان برقّته شجاعته
سأساوي مليونينْ
قلتُ: ألقّن هذا الحيوانْ
درسًا لا ينساهْ
فأضربه كفينْ
على رقبته وقفاهْ
ولكن حين علمت بأن
الأخّ اللابط أعلاهْ
من زلم السلطانْ
أحجمتُ
لأنّي تعبانْ
قسمًا بعليّ والعباسْ
قسمًا بجميع القديسينْ
أنا تعبانْ
قسمًا بصلاحِ الدينْ وحطينْ
وجميعِ الجبهات لتحريرِ فلسطينْ
أنا تعبانْ
قسمًا بالنور المقطوعْ
وبالماء المقطوعْ
وبالبنزينْ وبالأفرانْ
ومصرف لبنانْ
أنا تعبانْ
وإن شئتمْ قرفانْ
وان شئتمْ كسلانٌ وجبانْ
وكانت الأغنية تتضمن عبارة "وجودت فخر الدين"(الشاعر)، الذي اعترض على هذا النوع من المزاح، رغم أنه يكتب شعر الإخوانيات، فحذفت من الأغنية ومن النص المنشور ضمن "أعمال الكتابة".
والحال إن القصيدة أو الأغنية التي يجازف فيها "باللغة إلى حدود التخلي الكامل عن جماليتها"(شوقي بزيع) بسبب أنه استخدم فعل "لبط"، تختصر أحوال لبنان وشجونه وسياساته وسلوكيات زعرانه وسلطانه.
تختصر أحوال الكتابة الساخرة التي أبدع محمد العبدالله فيها، بنصوصه الجامعة بين التهكم والسخرية والمرارة والمرح واللعب والجد والذات والمكان والحكاية والفلسفة، سواء حين وصف الفروج المشوي في الشواية، أو سيارة اللادا الروسية بتقنيتها المتخلّفة، أو جلسات الأكل والكبة النية والحشيش، أو علاقته بالحرب الأهلية وتنقله من مكان إلى آخر في أوقات اشتعالها. وتختصر الأغنية نظام العناصر "غير المنضبطة" ونظام الأهالي ونظام الأمر الواقع وانماط التفكير المهيمنة، وواقع الحروب المتكررة والجبهات والأذرع الاقليمية وأطماع العدو وشراسته.
إنها تختصر أحوال المتعبين، التي انتهت إلى اللامبالاة في أهوال الكوارث.

جرب ميزات الذكاء الاصطناعي لدينا
اكتشف ما يمكن أن يفعله Daily8 AI من أجلك:
التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد...
أخبار ذات صلة

المدن
٠٨-٠٥-٢٠٢٥
- المدن
بينالي "الأغاني الساخرة": هويات جديدة تحاكي العصر الحديث
تنظم مؤسسة البحث والتوثيق في الموسيقى العربية "أمار"، الدورة الأولى من "بينالي أمار"، بدعم من الحكومة النروجية، والصندوق العربي للثقافة والفنون – آفاق في متحف سرسق، من 6 الى 11 أيار/مايو. ومحور البينالي هو "الأغاني الساخرة"، ودورها الريادي كأصوات صارخة في مقاربة التحديات السياسية على امتداد القرن الماضي. وذلك في محاولة لاستنهاض الذاكرة الجماعية العربية الثقافية والفنية، بما في ذلك أعمال أقل شهرة لعمر الزعني والشيخ إمام وسيد درويش وسلامة الأغواني ولور دكاش، وسواهم، لا سيما من خلال الإصدار السمعي والبحثي الجديد للمؤسسة، تحت عنوان "الأغاني الساخرة: أصوات معارضة من بلاد الشام 1920 – 1950"، بالاضافة الى ندوات وعروض أفلام وثائقية متخصصة، مع محاولة تقريب المسافة بين جيل الأمس وجيل اليوم المنجرف وراء السوشال ميديا، من خلال بث سلسلة فيديوهات خلال الأيام الخمسة، مُنتجة بالذكاء الإصطناعي. لمَ هذا البينالي عن "الأغاني الساخرة"؟ الإجابة تأتي في البيان الصادر عن المنظمين، والذي قرأته منسقة " البينالي" هبه الحاج فيلدير، في الإفتتاح، شرحت فيه "سبب اختيار هذا العنوان يعود إلى أمرين، الأول توثيقي وبحثي بحت، نظراً لندرة الدراسات المتوفرة حول الموضوع، ومصادفة وجود كمّ من التسجيلات القيمة حول الأغنية الساخرة لدى أرشيف أمار، أما السبب الثاني، وقد يكون الأهم، فهو احتمال تمازج صدى مضمون هذه الأغاني، الآتية من زمن مضى، مع واقعنا الحالي ومحاكاته". لنبدأ بالإصدار الجديد لمؤسسة "أمار" عن "الأغاني الساخرة". فهو كما يقول عضو الهيئة الإدارية في "أمار" أكرم الريس، لـ"المدن"، يتضمن "دراسات بحثية ثلاث، لكل من المؤرخة الدكتورة ديانا عباني، الباحث في العلوم الموسيقية الأب بديع الحاج، والباحث في التاريخ الإجتماعي الدكتور نادر سراج، إضافة الى رمز الإستجابة السريعة Qr code لمجموعة من أغاني ساخرة مختارة من 1920 الى 1950 تؤرخ تاريخ الأغنية الساخرة في منطقة بلاد الشام، أي لبنان وسوريا وفلسطين والأردن". ويشير الريس إلى أن هذا "الإصدار يندرج ضمن أنشطة مختلفة تصب في إطار التخصص الموسيقي ونهضة التراث الفني المتوارث منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر". يعتبر الريس اننا "انتقلنا في هذا البينالي من التراث المدني الكلاسيكي إلى تراث يواكب نوعاً ما يوميات الناس وشؤونهم وشجونهم، في قوالب مثل المونولوج، النشيد والطقطوقة"، موضحاً أنه "ليس بصدفة أن تتحول هذه الموسيقى وكلماتها الى ما يشبه مدونة حافلة بالمشاهدات للحياة اليومية، والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، وصولاً الى عرض واقع المرأة وضرورة تحررها في عالم ذكوري، آملين أن يعمم هذا التراث على الجميع لنتعلم من حاضرنا ونستشرف لمستقبلنا". أما المؤرخة ديانا عباني، فتعتبر في دراسة عن "الأغاني الساخرة في بلاد الشام خلال الانتداب: الذاكرة، والمقاومة، والهوية"، أن فناني بلاد الشام من مختلف الطوائف والمناطق مثل عمر الزعني، وسلامة الأغواني، ولور دكاش، وعبد الغني الشيخ، وموسى حلمي، وإيليا بيضا، وغيرهم، سجلوا أغاني ساخرة ونقدية ساهمت في تشكيل هويات ثقافية وفنية مشتركة، (..) منتقدين بذلك الاستعمار تآكل القيم التقليدية، والتوتر بين الحفاظ على الهوية المحلية والسعي لتشكيل هويات جديدة تتماشى مع العصر الحديث". مواضيع الساعة تشدّد عباني على أن هؤلاء الفنانين "استخدموا السخرية واللغة العامية لانتقاد الاستعمار والنخب المتواطئة معه، إضافة إلى المجتمعات المتفرنجة، في ظل التغيرات الاجتماعية المتسارعة، مع مناقشة أغانيهم قضايا رئيسية عديدة، من أبرزها موضوع تحرير المرأة وتأثيره في العائلة والمجتمع، بالإضافة إلى التغيرات في الأدوار الاجتماعية والصراعات الطبقية". وترى عباني أنه "في الوقت نفسه، قدمت هذه الأغاني نمطًا غنائيًا مدنيًا يتماشى مع التوقعات الاجتماعية الحديثة، لكن هذا النمط عزز في الواقع الأدوار التقليدية للرجولة والسلطة الأبوية، مما يعكس ترددًا في تجاوز القيود المجتمعية التقليدية". وتشير الى أنه "بينما كانت تدعو إلى التمدّن والتقدّم، فقد كانت أيضًا تكرس القيم التقليدية والأبوية، التي تحصر المرأة في أدوار معينة، في الوقت الذي شكلت فيه بديلاً حضاريًا للأشكال الموسيقية النسائية التقليدية مثل الطقاطيق والقدود، التي كانت تُعتبر أكثر تحررًا وأحيانًا فاحشة". مساحة تعبيرية أما الباحث في التاريخ الإجتماعي، نادر سراج، فقد تطرق في الدراسة اللسانية المُعالِجة إلى "الشواهد على ظروف احتكاك اللهجات الشعبية بتباشير الحداثة، وتداخل الفصحى مع العامية، وتأثر لسان الضاد بتدفق المقترضات وتزايد الاقتباسات الغربية، بما فيها تلك النفعية للاحتياجات التواصلية المستجدّة". يقول سراج: "من قلب الأسواق حيث تتزاحم الأقدام، ومن الشوارع ولّادة نداءات الباعة المرصّعة بمجازات غاية في الطرافة، إلى المسارح والإذاعات، وسائط التواصل الجماهيري، انتشرت أعمال فنانين مبدعين أثروا الفضاء "الشامي" بأعمالهم، مثل: عمر الزعنّي، وسلامة الأغواني، ونوح إبراهيم، وإيليا بيضا، لتصبح جزءًا من المشهد النقدي والاجتماعي العربي يومذاك". "عبر تحليل لغوي واجتماعي"، بحسب سراج، "مُدعّم بتقنية تحليل الخطاب، تستكشف هذه الدراسة التطبيقية، كيف تحولت الموسيقى إلى مساحة تعبيرية رحبة لصياغة لغة الاحتجاج والانتقاد البنّاء، من خلال تفكيك التفاوتات الطبقية، وتسليط الضوء على الأزمات الاقتصادية، وانتقاد التغريب في أنماط الحياة، وصولًا إلى سوء فهم مفردات لهجية تُتداول في ممارسات يومية، وتعود لبيئات عربية غير شامية (مصرية)". الغرب والشرق أما الباحث في العلوم الموسيقية، الأب بديع الحاج، فيذكر ان "الأغاني الساخرة تعتمد في كثير من الأحيان على مرافقة موسيقيّة جماعية تعزف الجملة الموسيقيّة نفسها من دون توزيع معقّد، مما يساهم في إبراز وضوح النصوص وكلمات الأغاني"، موضحاً أن "الأداء الغنائيّ يعتمد في الأغاني الساخرة على تقنيّات مثل تحوير الصوت، والإلقاء المسرحيّ، وإدخال الكلمات المحكيّة حتّى المبتذلة منها". يقول الحاج: "على سبيل المثال، يوظّف سلامة الإغواني هذه الأساليب في أغنية "كلّ الحق على الداية"، حيث يُستخدم الأداء الموسيقي لمواكبة الكلمة الساخرة، فيما تأتي بعض الألحان بأسلوب قريب من أغاني الأطفال، كما هو الحال في "شو عملنالك يا نونو"، مما يعزّز التناقض بين اللحن البريء والمعنى النقديّ". ويذكر ان استخدام مقامات مألوفة "يساعد في تعزيز التفاعل العاطفيّ مع الجمهور، كما في أغنية "يا توت الشام" لعمر الزعني، حيث يعكس الإنتقال بين المقامات تصاعد حدّة الإنتقاد". ويتوقف الحاج "عند التأثيرات الغربية والمصرية في الأغاني الساخرة، متخذاً على سبيل المثال أغنية "سباق الخيل" لعمر الزعني، التي توظف ألحانًا وتقنيّات غنائيّة غربيّة بأسلوب ساخر لإبراز المفارقات الإجتماعيّة"، إضافة إلى أن "الموسيقى المصريّة تركت بصمتها في هذه الأغاني، حيث تأثّر الفنّانون الشاميّون بأعمال سيّد درويش ومحمّد عبد الوهاب، وهو ما يظهر في استخدام اللهجة المصريّة في بعض الأغاني، كما هو الحال في "وقّف خدني بأتوموبيلك". الذكاء الإصطناعي وقُبيل الندوة، بُث فيديو صُنع بالذكاء الإصطناعي، يظهر عمر الزعني متنقلاً في أرجاء متحف سرسق وهو يغني لآل سرسق مع مجموعة من الجيل الشباب، الذي جاؤوا خصيصاً، لرؤية المكان والتجوال فيه وملاقاة الزعني. وإذ تفاوتت الآراء في القاعة بين مؤيدي الفيديو ومنتقديه، علّقت منسقة "البينالي" هبه الحاج فيلدير أننا "لا نروج للذكاء الاصطناعي، بل هو فعلياً أداة من أدوات بين أيدينا"، مشيرة إلى أننا "بالتقنية نقارب هذه الشخصية، نحن ننتقل من عالم كلاسيكي إلى شيء عصري ومعاصر وهو أسلوب لمحاكاة الجيل الناشىء وهذا أمر مهم للغاية". يذكر أن بينالي "أمار"

المدن
٠٨-٠٥-٢٠٢٥
- المدن
"محاولة لتهدئة بحر الغضب" لمحمد العبدالله...اختصار أحوالنا
على هامش ندوات "الأغاني الساخرة" التي تنظمها "مؤسسة أمار" في قصر سرسق في الأشرفية - بيروت، يمكن الحديث في لبنان عن تيمات كوميدية تهكمية لغوية كثيرة في هذا المجال، من حنكشيات الزحلاوي نجيب حنكش الذي وُصف بـ"إبتسامة ساخرة تمشي على قدمين"، إلى"تفتت اللغة" في طقاطيق "شيخ الملحنين" فيلمون وهبي، إلى زجليات البيروتي عمر الزعني ودبابيسه الانتقادية. ومن يوميات شوشو المسرحية الذي "هزمته الديون والرقابة"، إلى تدمير الكلام في معجم زياد الرحباني "المتمرّد الذي غنى لغة الشارع"، وحتى بعض أغاني مارسيل خليفة في "الليلة بدي خلي الكاس"، وهوارة العاقوري الجبيلي الراحل، آلان مرعب، وحدية طبيب الأسنان مخول قصوف "في "مثقفون نون". وصولاً إلى السخرية في الزجل ككل، وفي شعر الأخوانيات الذي طالما تبناه الشعراء في المقاهي وفي أحاديثهم الشفوية، لكنهم عزلوه في ارشيفهم، رغم دعوة شوقي بزيع في إحدى مقالاته إلى اطلاق سراح هذا النوع من الشعر، لكن الإصدرات بقيت محدودة في تجارب لطارق آل ناصرالدين وناجي بيضون. وكي لا يطول الكلام حول الأغاني الساخرة، سأختصر الحديث في أغنية واحدة، غير متداولة كثيراً في الاذاعات ومحطات التلفزة. وربما كانت تحتاج لحناً آخر لإيصالها، وهي معبّرة عن أحوال لبنان وفلسطين وسوريا والعراق. إذ يُروى، والله أعلم، أنّ الشاعر اللبناني الخيامي، رفيق سهراتنا في شارع الحمرا، الراحل محمد العبد الله، صاحب "رسائل الوحشة" و"حبيبتي الدولة" التي هي "رهاننا الوحيد مهما كان ضعيفاً" و"هي المشكلة وهي الحل"، كان في مدينة صور الساحلية الجنوبية، يبتاع من "فلافل بوّاب" في أواخر أيّام الحرب الأهلية. ركله أحدهم وتبيّن أنّه عنصر في إحدى التنظيمات المسيطرة والمهيمنة في ذلك الزمان، أو مسؤول فيها وربما ما زال. فكتب العبدالله قصيدة عنونها "محاولة لتهدئة بحر الغضب"، غناها في ما بعد الفنان اليساري الجبيلي، سامي حواط، وتقول كلماتها: أحد الإخوان، وأنا أبتاع رغيف فلافل من ذاك الدكان، لم يعجبه أمرٌ، لا أعرفه، فيّ، فيدايَ كأيدي الناسْ وكذلكَ رجلاي وعيناي وأيضًا لا أختلفُ حذاءً ولباسْ أحد الإخوان ... لبطني وأنا إن قيس الإنسان بهامته سأساوي بالنسبة للأخّ اثنينْ أو قيس الإنسان بفكرته سأساوي ألفينْ أو قيس الإنسان برقّته شجاعته سأساوي مليونينْ قلتُ: ألقّن هذا الحيوانْ درسًا لا ينساهْ فأضربه كفينْ على رقبته وقفاهْ ولكن حين علمت بأن الأخّ اللابط أعلاهْ من زلم السلطانْ أحجمتُ لأنّي تعبانْ قسمًا بعليّ والعباسْ قسمًا بجميع القديسينْ أنا تعبانْ قسمًا بصلاحِ الدينْ وحطينْ وجميعِ الجبهات لتحريرِ فلسطينْ أنا تعبانْ قسمًا بالنور المقطوعْ وبالماء المقطوعْ وبالبنزينْ وبالأفرانْ ومصرف لبنانْ أنا تعبانْ وإن شئتمْ قرفانْ وان شئتمْ كسلانٌ وجبانْ وكانت الأغنية تتضمن عبارة "وجودت فخر الدين"(الشاعر)، الذي اعترض على هذا النوع من المزاح، رغم أنه يكتب شعر الإخوانيات، فحذفت من الأغنية ومن النص المنشور ضمن "أعمال الكتابة". والحال إن القصيدة أو الأغنية التي يجازف فيها "باللغة إلى حدود التخلي الكامل عن جماليتها"(شوقي بزيع) بسبب أنه استخدم فعل "لبط"، تختصر أحوال لبنان وشجونه وسياساته وسلوكيات زعرانه وسلطانه. تختصر أحوال الكتابة الساخرة التي أبدع محمد العبدالله فيها، بنصوصه الجامعة بين التهكم والسخرية والمرارة والمرح واللعب والجد والذات والمكان والحكاية والفلسفة، سواء حين وصف الفروج المشوي في الشواية، أو سيارة اللادا الروسية بتقنيتها المتخلّفة، أو جلسات الأكل والكبة النية والحشيش، أو علاقته بالحرب الأهلية وتنقله من مكان إلى آخر في أوقات اشتعالها. وتختصر الأغنية نظام العناصر "غير المنضبطة" ونظام الأهالي ونظام الأمر الواقع وانماط التفكير المهيمنة، وواقع الحروب المتكررة والجبهات والأذرع الاقليمية وأطماع العدو وشراسته. إنها تختصر أحوال المتعبين، التي انتهت إلى اللامبالاة في أهوال الكوارث.

المدن
٢٤-١١-٢٠٢٤
- المدن
فيروز: من خشب الدم عملولك صليبك يا وطني (3)
عطفاً على بعد انفصالها عن الأخوين رحباني في العام 1979 وحتى يومنا هذا قدمت فيروز تسعة أعمال وطنية فقط طوال أكثر من أربعة عقود، وضع ألحانها ثلاثة ملحنين هم: زياد رحباني، فيلمون وهبي وزكي ناصيف. في خريف العام 1980 صدرت أول اسطوانة لفيروز بعد الإنفصال حملت عنوان "دهب أيلول". ضمت الإسطوانة أغنية وطنية جديدة من شعر جوزف حرب وألحان فيلمون وهبي بعنوان "ياقوني شعبية"، كانت أول عمل وطني يلحنه لها فيلمون وهبي، الذي بدأ في وضع ألحان لصوتها منذ منتصف الخمسينات، فيها تشبه فيروز لبنان بأيقونة شعبية معلقة في قلب البيوت، رسم جوزف حرب صورة بديعة لفيروز وهي تفتدي لبنان المعلق على صليب الحرب الأهلية، وتطلب فيروز أن تفدي لبنان بأن تصلب هي بدلا منه ليبقي هو، تقول بعض أبيات الاغنية: "من خشب الدم علمولك صليبك يا وطني/ وع جبل الشهدا رفعولك صليبك يا وطني/ صمتك الطويل أنا أنا/ حزنك الطويل أنا أنا/ أعطيني صليبك يا وطني". في جولتها في الولايات المتحدة الأميركية وكندا 1981، قدّمت فيروز ثلاث أغنيات وطنية منها إثنتان قدما للمرة الأولى وثالثة استُعيدت من قديمها، الأغنية الأولى هي: "رح نبقي سوا" من كلمات جوزف حرب وألحان زياد الرحباني، كما جميع أغنيات هذه المرحلة كتب كلمات الغالب الأعظم منها جوزف حرب، تتعاطي الأغنية مع الحرب الأهلية اللبنانية يقول حرب في بعض أبياتها: "ع رماد اللي راحو ع خاتم الزمان/ على الحجار السود اللي بيقيوا من الحيطان/ ع منديلك إمي ع بواب البيوت/ عم بكتب يا وطني الوطن ما بيموت". صدرت الأغنية في صيغتها الحية، ضمن ثلاث إسطوانات في العام التالي، ضمّت مختارات من حفلات فيروز في الجولة الأميركية ثم عادت وصدرت في إسطوانة في نسختها المسجلة في الإستديو ضمن ألبوم "معرفتي فيك" عام 1987، الأغنية الثانية كانت "تراب عينطورة" من كلمات وألحان الاخوين رحباني، وفيها دمج زياد ما بين الموال الذي سبق أغنية "خبطة قدمكن" التي قدمتها فيروز في مسرحية "إيام فخر الدين" في بعلبك عام 1966، وهو موال "يا قمر مشغرة ويا بدر وادي التيم"، دمج هذا الموال مع أغنية "الله الله يا تراب عينطورة" التي سبق أن قدمتها في منوعات "قصيدة حب" في بعلبك عام 1973، استعادت فيروز هذا العمل في حفلات عدة لاحقة في جرش 1983 وفي إستراليا 1984 وفي بصرى الشام 1985. جبران يدخل حقل وطنيات فيروز في العام 1981 قامت فيروز بجولة غنائية في الولات المتحدة الأميركية، قدمت فيها حفلاتها الأولى بعد الإنفصال الرحباني، كانت أميركا كانت تحتفل ذلك العام بالذكرى الخمسين لرحيل جبران وسارت فيروز على الدرب التي بدأها الاخوين رحباني في تلحينهما لنص من كتاب لجبران كما حدث مع "النبي"، اعدّ النصوص الجديدة وترجمتها الى العربية من كتب لجبران جوزف حرب، المقطوعة الأولى "سفيتني بانتظاري" الشهيرة باسم "الارض لكم" وهي من ألحان زياد رحباني. المقطوعة الثانية كانت "يا بني أمي" ألحان زكي ناصيف، أعلنت فيروز في مقابلة تلفزيونية قبل سفرها إلى أميركا انها ستغني المقطوعتين "الارض لكم" و"يا بني أمي" غير أنها لم تتمكن من تقديم الاخيرة في الجولة رغم إجرائها لبروفات خاصة بالعمل كما ظهر في فيديو أطلقته المخرجة ريما رحباني، لكن يبدو أن البروفات والوقت لم يكن كافيا لتقديم العمل بشكل جيد. غنّت فيروز "الأرض لكم" في قاعة الاحتفالات الكبرى في مبني منظمة الأمم المتحدة في نيويورك بمصاحبة أوركسترا الأمم المتحدة وقيادة المايسترو جوزيف إيجر، عادت فيروز وغنت مقطعاً منها في عام 1999 في جنيف بدعوة من اللجنة الدولية الصليب الاحمر في مناسبة احتفالها بمرور خمسين عاماً على توقيع اتفاقية جنيف حول حماية المدنيين وضحايا الحروب في زمن الحرب، اختيرت فيروز وقتها من ضمن إثني عشر شخصية عالمية للمشاركة في الاحتفال، كان مقرراً أن تلقي فيروز كلمة، غير أنها فضّلت أن تغني عوضاً عن أن تلقي كلمة. صدرت "الأرض لكم" في نسختها المختصرة هذه في نحو دقيقتان في البوم "إيه في أمل" عام 2010، بينما لم يسجّل العمل في نسخته الكاملة في الاستديو وان كان صدر ضمن مختارات من حفلات فيروز في الولايات المتحدة، ضمن ثلاث اسطوانات لهذه الجولة. أما العمل الثاني "يا بني أمي" فقد سجلته فيروز بعد عودتها من الجولة الأميركية وأطلق عبر الإذاعات عام 1982، ويبدو أنه جاء في الوقت المناسب ليس فقط لأنه كعمل موجه إلى الشعب اللبناني خلال ذروة الحرب الأهلية فقد تواكب ذلك مع دخول قوات الجيش الاسرائيلي إلى بيروت، فكان صوت فيروز ينطلق بالأغنية عبر كل الاذاعات يحمل وجع الشعب في مطلع القصيدة "في ظلام الليل أناديكم هل تسمعون/ مات أهلي وغمرت تلال بلادي دموع ودماء"، ويعود صوتها في مقطع آخر محذراً بعنفوان "الويل لأمة كثرت فيها طوائفها وقل فيها الدين/ والويل لأمة تلبس مما لا تنسج وتشرب مما لا تعصر/ والويل لأمة مقسّمة وكل ينادي أنا أمة". واجه العمل بعض الصعوبات عند تسجيله، وأشيع أن زكي ناصيف غير راض تماماً عن طريقة تسجيله، تحدث ناصيف حول الأمر في حوار مع الصحافي عبد الغني طليس في مجلة "الشبكة" في 6 ديسمبر 1982 قائلا: "ليس صحيحاً إطلاقاً، فثمة من يعمل من الحبة قبة ويريد إظهاري بمظهر المتشكي دائماً، ولا شك أن ظروف صعبة واجهت القصيدة أثناء تسجيلها إذ نقلت بشكل ناقص، استخدم فيها 16 تراك ونظراً لضيق المجال جاءت خالية من الباص كان يمكن أن تكون افضل لكن هذا ما حدث فلا بأس وأداء فيروز ليس بحاجة إلى شهادات انه الشهادة بعينها المهم الأغنية لاقت نجاحاً كبيراً واعتمدت عليها الاذاعات اللبنانية كلها في الفترة التي كانت فيها بيروت تحت النار". ورغم روعة العمل وجماليته، الا أن عاصي الرحباني كان له رأيا آخر فقد وجه سهام نقده إلى العمل خلال حوار أجراه مع مجلة "الشبكة" في 16 أب 1982 حيث قال: "شخصياً لم تعجبني، كثيراً لا شك في ان زكي ناصيف فنان كبير خلاق، لكنني اعتقد ان الكلمات ضايقته أيضاً، وتابع نحن عملنا أغنية النبي لجبران وكان فيها من روح جبران الحقيقية أكثر من أغنية يبدو أنها الغيرة الفنية من عاصي على الصوت الذي تربى على موسيقاه، فمقطوعة زكي ناصيف جاءت غاية في الروعة وهذا أمر صعب أن تنكره أذن سميع، إذ يقول الناقد الياس سحاب عن "يا بني أمي": "من حظ الموسيقى العربية عمومًا، واللبنانية خصوصًا، أن زكي ناصيف قد اقتنص فرصة ذهبية للتعاون مع حنجرة فيروز قبل أن تدخل مرحلة الشيخوخة، فجمع لهما الشاعر الموهوب جوزف حرب مقتطفات جبرانية فلسفية - وطنية، في قصيدة رائعة بعنوان في ظلام الليل، مات أهلي، فأخرج زكي ناصيف من أعماقه كنوزًا نغمية وتأليفية، ارتقت إلى مصاف إحدى أعلى ذرى الموسيقى الدرامية العربية في القرن العشرين. وإن كان هذا اللحن قد لقي مصيرًا إعلاميًا قاتمًا، فجرّدته كل الأجهزة الإعلامية من قيمته الموسيقية والغنائية الرفيعة، وحشرته في زاوية الغناء الوطن، فأصبحت الأغنية لا تذاع إلا في المناسبات العابرة، ثم أصبحت لا تذاع حتى في هذه المناسبات، كما أن فيروز أحجمت (لأسباب غير معروفة) عن تقديم هذا اللحن ولو مرة واحدة في حفلاتها الحية، علمًا بأن زكي ناصيف لم يترك في هذا اللحن الطويل والغني، مساحة أصلية أو فرعية في صوت فيروز، لم يستخرج أجمل ما في أعماقها من إحساس". ظلّت "يا بني أمي" رهينة الاذاعات ولم تطبع على اسطوانة إلا بعد إثنتي عشر عاماً ضمن إسطوانة ضمت أعمالا جديدة من ألحان زكي ناصيف تحت عنوان "فيروز تغني زكي ناصيف" في عام 1994. وبيبقى الجنوب حوالى عام 1984 أطلقت فيروز عملين وطنيين عبر الإذاعات قبل أن يصدرا لاحقاً على إسطوانات، الأول جاء رداً على إحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، حمل عنوان "إسوارة العروس" من شعر جوزف حرب وألحان فيلمون وهبي، هذه الأغنية التي تبدو اليوم كجرح لم يندمل، تقول فيها: "اللي حامل ع كتافو زيتون وسنابل/ قلعة بحر صور وصخرة جبل عامل/ اللي حامل وراق شعرا وعشاق/ القمر مخبيلهن عراس وخواتم/ ما بيقدر يحمل ظالم/ وشو ما إجه شعوب وشو ماراح شعوب/ كلن راح بيفلوا وبيبقي الجنوب" ، غنتها فيروز في حفلاتها في جرش في الأردن 1983 وفي أوستراليا 1984 وفي بصرى الشام في سورية عام 1985، في كل المرات التي قدمتها فيها فيروز مسرحياً قدمت الأغنية بطريقة البلاي باك للأسف. صدرت الأغنية رسمياً في إسطوانة "بليل وشتي" التي صدرت عام 1989، العمل الثاني هو "لبيروت" شعر جوزف حرب موسيقى الإسباني يواخين ردريغو إعداد وتوزيع زياد رحباني، صدرت رسمياً ضمن إسطوانة "لبيروت مجد من رماد لبيروت/ من دم لولد حمل فوق يدها/ أطفأت مدينتي قنديلها أغلقت بابها/ أصبحت في المسا وحدها وحدها وليل" . بيروت أيضاً كانت حاضرة في عيد الميلاد في ديسمبر من العام 1986 إذ أحيت فيروز حفلاً في كنيسة سانت مرغريت لندن لصالح "الصليب الأحمر اللبناني"، قدمت خلاله مجموعة جديدة وقديمة من ترانيم الميلاد بمصاحبة أوركسترا هارموني، من بينها أغنية عن بيروت كتبها أيضا جوزف حرب وضعت كلماتها على لحن عالمي للموسيقار الألماني فريدريك هاندل تقول: "تذكر يا حبيبي ليل وسهر البيوت ببيروت/ ليلية نجوم كتير تنزل تسهر وتطير/ ع شبابيك البيوت وقناطر البيوت / بيروت زعلانة كتير/ بيروت سهرانة كتير/ بيروت يا بيروت". صدرت الأغنية عام 1998 ضمن إسطوانة "فيروز ترانيم الميلاد في كنيسة سانت مرغريت لندن" وخصص ريع الإسطوانة كذلك لصالح "الصليب الأحمر اللبناني". من شعر جوزيف حرب أيضا وألحان زياد رحباني، أطلقت فيروز خلال جولتها الأميركية الثالثة عام 1987 للمرة الأولى أغنية "فيكن تنسوا" الموجهه في الأصل إلى اللبنانيين في بلاد الإغتراب وفيها عادت فيروز وأعلنت فيها مجدداً عن موقفها من ترك لبنان خلال الحرب اللبنانية حيث تقول: "فيكن تنسوا صور حبايبكم/ فيكن تنسوا لون الورد وورق رسايلكم/ فيكن تنسوا الخبز الكلام/ الأسامي الأيام/ والمجد اللي الكن/ لكن شو ما صار ما تنسوا وطنكم/ انا اللي بيسموني الملكة/ وبالغار متوج زمني/ ومملكتي ما فيها بكي/ وجبيني ولا مرة حني ما حني/ شعبي دهبي فرحي وغضبي/ بترك صوتي وما بترك وطني ما بترك وطنكم". عادت فيروز وأنشدتها العام التالي في حفلها في قاعة "بيرسي" في باريس، صدرت الأغنية فيما بعد ضمن إسطوانة "كيفك إنت" عام 1991. وكانت هذه هي آخر أغنية تنشدها فيروز لجوزف حرب، الشاعر الذي اعتمدت على أشعاره في أغنياتها بشكل شبة كامل منذ إنفصالها عن الأخوين رحباني عام 1979. في العام 1995 أعادت فيروز تقديم إحدى أغنيات مسرحية "إيام فخر الدين" بتوزيع جديد لزياد رحباني ضمن البوم "إلى عاصي" أغنية "يا مهيرة العلالي"، وهي الأغنية التي كان ينشدها جيش فخر الدين عند مواجته الجيش العثماني في معركة "عنجر" وكان النصر لجيش الأمير فخر الدين، ظهرت الأغنية في المسرحية بصوت الكورس، وهنا غنتها فيروز للمرة الأولى، تقول كلماتها البسيطة العميقة في جملتين: " يا مهيرة العلالي فرسانك ناطرين/ وين يهدر الشمالي قولين حاضرين" ، وقد أصحبتْ أحدى الأغنيات التي تداوم فيروز على تقديمها في حفلاتها بعد ذلك. أول أغنية وطنية بعد الحرب شهدت عودة فيروز إلى مهرجانات بعلبك عام 1998 تقديمها لأغنية وطنية جديدة عن لبنان غير أنها جاءت هذه المرة رحبانية، فقد كتبها ولحنها منصور الرحباني، عادت فيروز للتعاون مع النصف الاخر من الاخوين رحباني بعد رحيل عاصي عام 1986 وعادت أيضاً إلى قلعة بعلبك بعد غيبة خمسة وعشرين عاماً، الأغنية حملت عنوان "انا بدي عمر وطني" وكانت أول أغنية وطنية تغنيها فيروز بعد إنتهاء الحرب الأهلية، وفيها رد منصور الرحباني على من كل من وجهوا إتهامات إلى الأخوين رحباني بأنهما صنعا وطن من حلم مثالي وهش في أعمالهما الفنية، تحطمت صورته مع اشتعال الحرب الأهلية اللبنانية، قال منصور عبر صوت فيروز في الأغنية: "يا وطني يا حبيبي يا همي الأكبر/ يا وطني يا حبيبي راح ترجع أخضر/ أنا ياللي سميتك لبنان الأخضر/ قالوا حكينا ع وطن جايي ووعدنا الناس/ قصقصنا ورق الرواية وعملناهن ناس". لم تصدر هذه الأغنية رسمياً حتى اليوم على إسطوانات هي وأغنية "لوح منديلك" لمنصور رحباني وأغنية "معك" لإلياس رحباني، جديد فيروز الذي قدم في بعلبك ذلك العام. في حوار أجرته معه مجلة "الوسط"، دافع منصور عن ذلك الوطن المثالي الذي خلقاه هو وعاصي في أعمالهما المسرحية والغنائية والذي سقط في اعتقاد البعض بنشوب الحرب الأهلية. قال منصور: "أبداً الوطن الذي سقط هو وطن المعادلات والإتفاقات بين السياسيين والمفاهيم "المصلحجية" المشتركة وسياسة المزرعة والعشيرة والقبيلة، لذلك كان وطناً هشاً لا يعنينا، سقط عند هبوب الريح. الوطن الرحباني لم نعمره إنطلاقاً من تحسين واقع موجود. فنحن لم نكتب دستوراً ولا سنناً ولا قوانين ولم نرسم حدوداً لنقول: هذا هو الوطن الرحباني. نحن وعن غير قصد واعٍ منا زرعنا وردة هنا وهناك صبية الى شباك، وهنالك شعباً طيباً لا يترك أرضه ولا يهاجر، أو شعباً عنيداً قرر أن يموت ولا يترك أرضه ولا يستسلم، نحن قصقصنا ورقاً وجعلنا منه مخاتير ورؤساء بلديات وقضاة وحكاماً وملوكاً وغزاة وبائعي بندورة". ويتابع منصور: "نحن هاجمنا حرفية القانون الباردة مثل السيف، وبعنا المحكمة بالمزاد العلني، وأعدنا الامبراطور الى الحكم مع المهربين. وبكل راحة ضمير قلنا: "العدالة كرتون، الحرية كذب، وكل حكم بهالأرض باطل "في مسرحية "لولو"، هذا هو ما رسمناه فسماه الناس: "الوطن الرحباني". بعضهم قاله خيالياً سريع العطب، وبعضهم رآه حياً في بال الناس يحلمون به لأنه فعلاً حلم جميل، والحلم هو الواقع غير متجسد بعد. نحن رسمنا ملامح فيها خير وحق وجمال وعدالة لا يمكن ان يرفضها أحد، وليس صعباً تحقيقها، لذلك، يوم يأتي الى الحكم سياسيون شرفاء يحققون ذاك الوطن المثالي". في حفلاتها الأولى في مهرجان بيت الدين عام 2000 شدت فيروز أغنية "خلصوا الأغاني هني ويغنوا عالجنوب/ خلصوا القصايد هني ويصفوا عالجنوب/ ولا الشهدا قلو ولا الشهدا زادو/ وإذا واقف جنوب واقف بولاده" . هل تحطمت صورة لبنان الأخضر وأخيرا وليس آخرا قدمت فيروز في أحدث ألبوماتها "ببالي" الذي صدر في عام 2017 أغنية وطنية، تبدو غريبة وفريدة في طابعها عن جميع ما قدمت من وطنيات، أغنية حملت عنوان "ما تزعل مني يا وطني"، مستوحاة عن أغنية أجنبية شهيرة عنونها "لا تبكي من أجلي يا أرجنتينا" كانت مادونا غنتها في فيلم "إفيتا"، تبدو فيها فيروز في حاله بوح داخلي بينها وبين لبنان، بل وعتاب كبير منها تجاهه لأول مرة، عما آلت إليه أوضاع لبنان في الأعوام الأخيرة، تقول له أنا اليوم وبعد كل هذه الأعوام أشعر بخيبة أمل، تقول الكلمات التي كتبتها المخرجة ريما الرحباني ووزعها ستيف سيدويل، ترجمت فيها ريما مشاعر والدتها وعما تريد قولة: "شو كان سهل عليي إني فل بس اخترت إني ابقي/ كرمالك وقت اللي كلن فلوا وتركوك لأني بحبك/ ولأني وعدتك إني بكل الإوقات بالإيام السودا/ وبكل الأيام راح إبقى حدك ولو مهما كان / مافي شئ بيعنيلي غير إني عيش بوطني/ اللي رسمته ببالي صورة حلوي حلم كبير إهرب إتخبى فيه/ وطني الغنية لو تعرف شو صليت إتمنيت/ إنو يصير ماعاد فيي كفي بحبسي الكبير/ اخترت الحرية بدي التغيير/ ما تزعل مني ياوطني/ إنت بتعرف ما مرة تركتك بأسوا إيامي/ بجنون حياتي بقيت على وعدي ما تبعد عني/ بزعل لحالي بزعل عليك أنا وفيك وحاسه بالغربة/ ماتستاهل هالبشاعة اللي عملتها بايديك/ إنت الطفولة والسما الزرقا بيتي والخير اللي كان/ الإيام الحلوة أهلي والجيران والضحكات اللي صاروا نسيان/ شو بقول لولادي اللي حلموا فيك/ كذبت عليي وماكنت وطني اللي بيشبهني وبلاقي حالي فيك / يمكن حكيت كتير بس كان لازم قلك كل اللي بقلبي/ مابدي منك إلا إنك تسمعني وتصدقني". يقول زياد رحباني في مقابلة تلفزيونية له عن والدته فيروز، أنها وفي أحلك الايام التي مر بها لبنان، كانت دائما متفائلة بالمستقبل وبأن كل شيء في لبنان سيكون على ما يرام مستقبلا، وأنه كان طالما يحسدها على هذا التفاؤل. ترى هل توقف فيروز عن التفاؤل بمستقبل لبنان، بحسب ما باحت به في أغنيتها، نتمنى أن لا يكون، فإن يئست فيروز فما بالنا نحن.