أحدث الأخبار مع #محمَّدالحسينيالشيرازي


شبكة النبأ
منذ 9 ساعات
- منوعات
- شبكة النبأ
المجدد الشيرازي وتطوير الحوزات العلمية
مشروع المجدد الشيرازي لتطوير الحوزات العلمية كان ضرورة شرعية وحضارية تفرضها طبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة التي لا يمكن لها النهوض ما لم يكن علماؤها قادرين على القيام بدورهم الطليعي في الإصلاح ولا يمكن للعلماء أن ينجزوا مهمتهم الكبرى ما لم تكن الحوزات مؤهلة بما يتناسب مع التحديات... من أبرز التَّحديات التي واجهت الحوزات العلميَّة خلال القرن الماضي كانت الجمود في المناهج الدراسيَّة، والتي بقيت لعقود طويلة تدور في نفس المحاور التقليديَّة من دون تطوير يُذكر. وفي خضم هذا الجمود، برز سماحة المجدد الثَّاني السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (أعلى الله تعالى مقامه) كأحد أهمِّ العلماء الذين سعوا بجدية لإحداث تغيير نوعي في بنية المناهج الحوزوية، إيمانًا منه بأنَّ تجديد الفكر لا يمكن أن يتمَّ من دون تجديد وسائله وأدواته. لقد دعا سماحة السيِّد الشيرازي إلى توسيع أفق الدرس الحوزوي ليشمل قضايا الفكر والثَّقافة والاجتماع، معتبرًا أنَّ الاقتصار على الفقه والأصول بالشكل التَّقليدي لا يكفي لإعداد عالم قادر على قيادة الأمة في العصر الحديث. ومن الجوانب اللافتة في مشروعه الإصلاحي، أنَّه لم يكتفِ بالتَّنظير؛ بل أسس حوزات علميَّة خاصَّة به حاول فيها تطبيق هذه الرؤية، فكانت مناهجها أكثر انفتاحًا وتنوعًا، وخرّجت عددًا من الطلبة الذين تأثَّروا بأفكاره وأكملوا المسيرة بعده. لقد كان سماحة السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (رضوان الله عليه) من بين أولئك القادة المصلحينَ الرساليينَ الذينَ استشرفوا مبكرًا التَّحولات الاجتماعيَّة والفكريَّة الكبرى التي بدأت تتشكَّل في العالم الإسلامي، وأدرك بوضوح أنَّ الجمود المعرفي، والتقوقع داخل الإطار التَّقليدي للدرس الحوزوي، لا يمكن أن يفضي إلَّا إلى تراجع دور الحوزة وفقدانها لمكانتها الرياديَّة التي تبوأتها عبر القرون؛ لذلك؛ رفض المجدد الشيرازي النَّظر إلى الحوزة العلميَّة بأنَّها مكان لتحصيل المعارف الفقهيَّة والأصوليَّة فقط، وإنَّما رأى فيها مؤسسة استراتيجيَّة كبرى، مهمَّتها صياغة المشروع الحضاري الإسلامي، وبناء الإنسان الرسالي الذي يتَّسم بالعلم، والوعي، والقدرة على التَّغيير؛ فالحوزة –في رؤيته– يجب أن تكون مصنعًا لإعداد القيادات الواعية، والمصلحين الاجتماعيين، والمفكرين القادرين على تشخيص مشكلات الأُمَّة وتقديم حلول عمليَّة لها، ضمن إطار الإسلام الشَّامل الذي لا يفصل بين البعد المعنوي والسياسة، ولا بين الفرد والمجتمع. انطلاقًا من هذا الفهم العميق لدور الحوزة، وضع الإمام الشيرازي خطة إصلاحيَّة متكاملة تستهدف تجديد بنية الحوزة على المستوى المعرفي والمؤسساتي والوظيفي، مستلهمة من التراث الإسلامي الأصيل، ومنفتحة على معطيات العصر ومتغيراته، ولم تكن هذه الخطة تنظير نظري أو دعوة خطابية، وإنَّما كانت مشروعًا حيًّا تمَّ تطبيقه على أرض الواقع؛ إذ بادرَ إلى تأسيس مدارس علميَّة حديثة، ومراكز فكريَّة وثقافيَّة متنوعة، إلى جانب عشرات المؤلفات التي عالج فيها قضايا الحوزة، وشخَّص مواطن الخلل، وطرح رؤى عمليَّة للإصلاح والتَّطوير. وقد تميَّز مشروعه بالجمع بين الأصالة الإسلاميَّة والتَّفاعل الحضاري، وبين الاجتهاد الفقهي العميق والانفتاح على العلوم المعاصرة، إيمانًا منه بأنَّ النَّهضة لا تتحقق إلَّا حين تتكامل المعرفة الإسلامية مع الوعي الزَّماني والمكاني. وفيما يلي أبرز محاور هذا المشروع الإصلاحي المتكامل الذي قدَّمه سلطان المؤلفين لتطوير الحوزات العلميَّة، بما يجعلها قادرة على مواكبة الزَّمن، والقيام بوظيفتها التَّغييريَّة على مستوى الفرد والأُمَّة: المحور الأوَّل: الإصلاح المعرفي والمنهجي ركَّز المجدد الشيرازي في هذا المحور على تطوير البنية التَّعليميَّة والفكريَّة للحوزة ومناهجها من طريق: إنَّ من أبرز المرتكزات الإصلاحيَّة التي نادى بها المجدد الشيرازي في مشروعه لتحديث الحوزات العلميَّة، هو الدَّعوة الصَّريحة والجريئة لتوسيع المنظومة التَّعليميَّة الحوزويَّة لتشمل العلوم العصريَّة والضروريَّة، التي باتت تشكِّل مفاتيح فهم الواقع المعاصر، ومداخله الأساسيَّة للتغيير والبناء. وقد انطلق المجدد الثَّاني في هذا الطَّرح من إيمانه بأنَّ الحوزة لا يمكن أن تبقى كيانًا مغلقًا على ذاته؛ يُعيد إنتاج نفس المعارف من دون ارتباط بواقع النَّاس وتحدياتهم اليوميَّة، وإلَّا فقدت فاعليتها ومشروعيتها بوصفها مؤسسة رساليَّة تهدف إلى إصلاح المجتمع وتوجيهه. فمن غير المقبول –بحسب رؤيته– أن يُحصر الطالب الحوزوي ضمن أطر ضيقة من الفقه والأصول فقط، من دون أن يُتاح له الولوج إلى عالم السياسة والاجتماع والاقتصاد وعلوم القرآن الكريم وسائر المعارف الفكريَّة والإنسانيَّة؛ فالعالِم الرسالي، كما يراه سماحة السيد، يجب أن يكون قادرًا على فهم النظم السياسيَّة، وتحليل الوقائع الاقتصاديَّة، وتقديم الرأي الإسلامي في المسائل المستجدة التي تمس حياة المسلمين في كلِّ مكان. ولذلك، كانت دعوته إلى إدخال دروس السياسة في مناهج الحوزة ضرورة ملحة لكون السياسة –في المنظور الإسلامي– امتدادًا طبيعيًا للفقه، وتطبيقًا عمليًا لأحكام الشريعة في ميدان الحكم وإدارة شؤون الناس. كما اعتبر سماحة السيد الشيرازي (رحمة الله عليه) أنَّ الاقتصاد الإسلامي يشكِّل دعامة أساسيَّة لفهم مشكلات الفقر والبطالة والتَّفاوت الطبقي، ويتيح للعالم أن يقدّم بدائل عادلة ومستندة إلى المبادئ الإسلامية، بعيدًا عن إفرازات الرأسماليَّة المتوحشة أو الاشتراكيَّة المادية. أمَّا علوم القرآن الكريم، فهي عنده مفتاح لفهم المشروع الإلهي في التَّاريخ والمجتمع، ودعامة لرؤية شاملة عن الإنسان والكون والحياة. ونهج البلاغة –بما يحمله من بعد فكري وسياسي وأخلاقي– يشكِّل منجمًا لا ينضب لبناء الشخصيَّة الرساليَّة التي تجمع بين العمق الروحي والبصيرة السياسيَّة. لقد كان الإمام يرى أنَّ هذه العلوم تمثِّل عناصر تكميليَّة وأساسيَّة، تُخرج الطالب من الجمود، وتربطه بقضايا العصر، وتفتح له آفاقًا أوسع لفهم الدِّين بوصفه نظامًا للحياة، لا مجرَّد طقوس فرديَّة أو مفاهيم نظريَّة. وبذلك، تتحول الحوزة من مؤسسة تعليميَّة مغلقة إلى كيان حي نابض، يتفاعل مع الأحداث، ويواكب التغيرات، ويقدِّم الحلول، ويرفد الأُمَّة بالطاقات القادرة على قيادتها فكريًا واجتماعيًا وسياسيًا. ثانيًا: ضخ دماء جديدة من ذوي الكفاءة وتحديث الذِّهنيَّة الحوزوية. كان المجدد يؤمن بأهمية ضخ الدِّماء الجديدة في الحوزة العلمية بشكل يشارك في تجديدها من الدَّاخل، ويُحيي من خلالها آفاق التَّفكير والتَّفاعل مع المستجدات الفكريَّة والاجتماعيَّة. وقد كانت رؤيته في هذا المجال قائمة على ضرورة إشراك ذوي الاختصاص العلمي والمعرفي في عملية تطوير الحوزة، حتَّى يُساهموا في إعادة هيكلتها وتنويع المناهج الدراسيَّة لتشمل مجالات معرفية غير تقليديَّة، تواكب التطورات العلميَّة الحديثة، وتضاعف من قدرة الحوزة على التَّأثير في الأمَّة الإسلاميَّة. إدراكًا منه لضرورة الانفتاح على العلوم الحديثة، كان يرى أنَّ الحوزة يجب أن تكون في طليعة المؤسسات العلميَّة التي لا تقف عند حدود العلم التقليدي؛ بل يجب أن تكون مركزًا متطورًا يضم أحدث العلوم والمعارف، مع المحافظة على أصالة المنهج الحوزوي. وكان يعتقد أنَّ الحوزة يجب أن تتحول إلى بيئة خصبة تنمو فيها الابتكارات الفكريَّة، والتي لا تأتي إلَّا من خلال إدخال عناصر جديدة من أصحاب التَّخصصات المختلفة، مثل العلوم الطبيعيَّة، والتكنولوجيا، والاقتصاد المعاصر، والعلوم الاجتماعية. من هذا المنطلق، كان المجدد حريصًا على استقطاب علماء ومفكرين جدد من مختلف المجالات، بحيث يتعاون هؤلاء مع الأساتذة التقليديين داخل الحوزة لتطوير المناهج الدراسية، وتقديم رؤى جديدة تتماشى مع احتياجات الأمة في العصر الحديث. وكان في تصوره أنَّ الاختلاط بين العلوم الدينيَّة والعلوم الحديثة بمثابة حلقة وصل بين الماضي والحاضر، وبين التراث والمعاصرة؛ فإدخال هذه الدماء الجديدة كان من شأنه فتح أبواب جديدة للبحث العلمي داخل الحوزة، ويسهم في تجديد الفكر الحوزوي بما يتناسب مع العصر. ثالثًا: بث روح التخصص وتوجيه الكفاءات بحسب قدراتهم. في سياق رؤيته الشاملة لتطوير الحوزات العلمية، كان سماحة السيد محمَّد الحسيني الشيرازي يولي اهتمامًا خاصًا لـبث (روح التخصص) بين طلبة الحوزة العلميَّة، باعتبار أنَّ التَّخصص هو أحد الأسس الأساسيَّة في بناء كفاءات علمية قادرة على الإبداع والابتكار، وتحقيق تقدم فعلي في مختلف المجالات الدينيَّة والفكريَّة. وكان يرى أنَّ دور الحوزة لا يتوقف عند تعليم الفقه والأصول؛ وأنَّه يجب أن يتوسع ليشمل تعزيز فكرة التخصص داخل هذه العلوم، وأن يختار كلُّ طالب من طلاب الحوزة المجال الذي يتوافق مع قدراته وكفاءاته؛ فقد شدد على ضرورة أن يوجه أصحاب الكفاءات الفقهية إلى التخصص في المجال الفقهي، من أجل الوصول إلى مرحلة الاجتهاد والتأصيل العلمي المتعمق، بينما يُشجع المتخصصين في البلاغة أو الخطابة على التخصص في مجالات التفسير القرآني أو علوم الحديث، وكلُّ هذا بهدف إثراء الفكر الحوزوي وتطويره ليواكب حاجات الأمَّة وتحديات العصر. إنَّ هذا التركيز على التخصص كان يمثِّل نقطة فارقة في تصور الإمام الشيرازي لعملية الإصلاح الحوزوي؛ لأنَّ التخصص يرتبط بتعميق الفهم والتعامل مع القضايا المعاصرة بشكل دقيق؛ فالعالم المتخصص يمتد دوره ليشمل إنتاج المعرفة الجديدة، التي تكون متوافقة مع الواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، بما يخدم مصلحة الأمة الإسلاميَّة في مختلف نواحي حياتها. وفي هذا السياق، كان يشدد على أنَّ التخصص يجب أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحاجات الأمة ومشاكلها المعاصرة؛ فالعالم الذي يتخصص في الفقه السياسي أو الاقتصاد الإسلامي، على سبيل المثال، يجب أن يمتلك القدرة على تحليل القضايا المستجدة، مثل مشكلات الفقر، وعدم العدالة الاقتصادية، والتمييز الطبقي، بحيث يكون قادرًا على تقديم حلول إسلامية تتناسب مع العصر الذي يعيش فيه. كما أنَّ التخصص في مجال التفسير القرآني أو علوم الحديث يساند قدرة العلماء على فهم النصوص القرآنية والحديثية في سياقها التاريخي والحضاري، ومن ثم تقديم رؤى جديدة للإسلام قادرة على التجاوب مع مستجدات الحياة المعاصرة. إنَّ بث روح التخصص في الحوزة، وفقًا لرؤية الإمام الشيرازي، لم يكن مجرَّد خطوة أكاديمية، بل كان خطة استراتيجية تهدف إلى توزيع المسؤوليات العلمية بين العلماء والمفكرين بحيث يتخصص كل منهم في مجال يتوافق مع اهتمامات الأمة ومتطلباتها؛ وهذا التوزيع يرفع من فاعلية الحوزة في المجتمع، ويجعل منها مصدرًا رئيسيًا للإجابة على الأسئلة والمشاكل المعاصرة التي تواجه الأمة الإسلاميَّة. رابعًا: تدريس اللغات الأجنبية لخدمة التبليغ العالمي. إنَّ الرسالة الإسلاميَّة هي رسالة عالمية تتجاوز الحدود الجغرافية والثَّقافيَّة، ولا يمكن أن تقتصر على مجتمع معين أو لغة واحدة. ومن هذا المنطلق، كان السيد الشيرازي يدرك بعمق أنَّ التبليغ الإسلامي يجب أن يكون شاملًا وعالميًا، يشمل مختلف الثقافات والشعوب، ويصل إلى أوسع شرائح من البشر، بغض النظر عن لغتهم أو انتمائهم. ومن هنا، جاء دعوته لتدريس اللغات الحيَّة التي تتعلق بالمجتمعات الكبرى في العالم، مثل الإنجليزية والفرنسية، في مناهج الحوزات العلمية. لقد كان يرى أنَّ التبليغ الإسلامي لا يمكن أن يقتصر على اللغة العربيَّة فقط؛ لأنَّ الدعوة الإسلامية رسالة يجب أن تُنقل إلى جميع الأمم والشعوب بلغة يفهمونها؛ فاللغة هي أداة فاعلة في نقل الفكر والرؤية الإسلاميَّة بشكل مؤثر وفعَّال؛ لذلك، كان المجدد الشيرازي يرى أنَّ تعليم اللغات الأجنبية في الحوزة هو أداة استراتيجية لتمكين العلماء والطلاب من الوصول إلى المجتمعات الغربية، ومن ثمَّ الرد على الشبهات التي قد تثار حول الإسلام، وتوضيح فكر أهل البيت (عليهم السلام)، ودحض التصورات المغلوطة التي قد يتم ترويجها. لم يكن الإمام الشيرازي يهدف فقط إلى تعليم اللغة كمهارة لغوية؛ بل كان يرى في تعلم اللغات أداة لتعميق الفهم والقدرة على الرد على التحديات الفكرية التي تواجهها الأمة الإسلامية في عصر العولمة والتكنولوجيا الحديثة؛ وبذلك، يفتح المجال أمام العلماء والمفكرين الحوزويين للانتقال من دائرة الانغلاق الثقافي إلى دائرة الانفتاح الفكري التي تتيح لهم التفاعل مع الآخر من دون أن يفقدوا هويتهم الإسلاميَّة الأصيلة. المحور الثَّاني: الإصلاح الوظيفي والعملي. في هذا المحور اهتمَّ المجدد الشيرازي بتفعيل دور الحوزة في الواقع الاجتماعي والسياسي، وذلك عبر أربعة فروع: أوَّلًا: ربط الطالب الحوزوي بالواقع السياسي للأُمَّة. لقد أدرك أنَّ الحوزة يصعب عليها أن تؤدِّي دورها الرسالي التغييري في المجتمع إذا عاشت في عزلة عن الأحداث السياسيَّة والاجتماعيَّة التي تمس الأُمَّة الإسلاميَّة بأسرها؛ فالوعي السياسي، وفقًا لرؤيته يجب أن يُغرس في نفوس طلَّاب الحوزة منذ البداية، لتتمكن هذه الحوزة من إمداد الأمة بقادة قادرين على مواجهة الأزمات السياسيَّة والمجتمعيَّة على أسس من الوعي الفقهي والعقلي المستنير. لقد أكَّد على أنَّ الإسلام نظام متكامل يهتم بكلِّ جوانب الحياة، بما في ذلك السياسة، والاقتصاد، والتَّعليم، والشؤون الاجتماعيَّة. ومن هنا، فإنَّ دور الحوزة يتجاوز نشر العلوم الدينيَّة إلى المشاركة الفاعلة في القضايا السياسيَّة التي تشغل الأُمَّة، سواء على مستوى الحكومات أو على مستوى حركات الإصلاح الشعبي. وفي هذا السياق، كان يدعو إلى أن يصبح الطالب الحوزوي قادرًا على تحليل الأوضاع السياسيَّة للأمة الإسلامية، وفهم ما يجري في الساحة الدولية، وتقديم الحلول الفقهيَّة والسياسيَّة للمشاكل التي تعيشها الأمة. وهذا الربط العميق بين الحوزة والواقع السياسي يهدف إلى تحقيق حالة من التفاعل بين العلم والواقع، بحيث لا يظل الطالب بعيدًا عن مشكلات المسلمين وآمالهم، ويصبح جزءًا من المشروع الإصلاحي الذي يستنهض الأمة من كبوتها؛ فالمجدد الشيرازي كان يرى أنَّ العلماء يجب أن يشاركوا في صنع القرار السياسي، أو التأثير في الرأي العام عبر الوسائل الحديثة كالإعلام والميديا، وإبداء الرأي في القضايا المصيريَّة للأمة. ثانيًا: تشغيل أبناء الحوزة في مجالات التبليغ والإدارة وخدمة المجتمع. من أبرز النقاط التي تناولها الإمام الشيرازي في خطته لتطوير الحوزات العلمية، هو التأكيد على أهمية تشغيل طلبة الحوزة في مجالات التبليغ وإدارة المشاريع وشؤون الناس؛ وذلك من أجل ضمان تحول الحوزة إلى مؤسسة حيَّة ومؤثرة في المجتمع، فعلى الرغم من أهمية التحصيل العلمي في الحوزة وتلقي العلوم الفقهية والأصولية وما يتعلَّق بهما، فإنَّه كان يرى أنَّ الطلبة يجب أن يُفعّل دورهم في تقديم الحلول الفقهية والإدارية التي تتناسب مع حاجات المجتمع، سواء على الصعيدين الاجتماعي أو الاقتصادي. لقد كان يعي تمامًا أن الحوزة هي مركز لتخريج قادة ومصلحين، يجب أن يكتسبوا مهارات عملية إلى جانب المعرفة النظرية؛ ولذلك، فقد شجع على التفاعل مع القضايا المجتمعية من خلال إشراك الطلبة في إدارة المشروعات الخدمية والاجتماعية، التي تسهم في تحسين حياة الناس على الأرض. ومن هذا المنطلق، كان يطالب بتفعيل دور الطلبة في مجالات متعددة، مثل إدارة الجمعيات الخيرية، والمشاركة في مشاريع التنمية، والعمل على بناء مؤسسات تعليمية وثقافية تسهم في رفع مستوى الوعي العام وتعليم الناس المبادئ الإسلامية الحقيقية، وأن طلبة الحوزة يجب أن يكونوا في الميدان، يتواصلون مع الناس، وينقلون لهم الرسالة الإسلامية في سياق الحياة اليومية، ويكونون في طليعة المصلحين الاجتماعيين الذين يسهمون في بناء المجتمع الإسلامي؛ فالطالب الحوزوي، وفقًا لرؤيته، يجب أن يكون داعمًا فعالًا لقيم العدل والمساواة، وأن يسعى لإصلاح أي انحرافات اجتماعية أو سياسية وفقًا لمبادئ الشريعة الإسلامية. ثالثًا: الانتشار في البلاد الإسلاميَّة المختلفة. كان سماحة السيد محمَّد الحسيني الشيرازي يدرك تمامًا أنَّ المركزيَّة المفرطة التي تميز الحوزات التقليدية كانت تشكل حاجزًا أمام توسيع تأثيرها، خاصَّة في البلدان التي تتواجد فيها جاليات إسلامية كبيرة، لكنها ليست على اتصال مباشر بالحوزات التقليديَّة في إيران أو العراق. وقد كان يرى أن الحوزة العلمية يجب أن تكون موجودة حيثما توجد الحاجة إليها، وأن تتوسع جغرافيًا لتصل إلى كل مكان في العالم الإسلامي، بما يتوافق مع احتياجات المجتمعات. لذلك، دعا الإمام الشيرازي إلى إنشاء حوزات علمية في دول متعددة، مثل لبنان، وسوريا، والهند، وباكستان، وأفريقيا، وكذلك في أوروبا وغيرها من المناطق التي توجد فيها تجمعات إسلامية. وكان هدفه من هذه المبادرة خلق بيئات علمية محلية تتناسب مع الظروف الثقافية والاجتماعية لكلِّ بلد، وبذلك تكون الحوزة قادرة على التفاعل مع الواقع ومعالجة قضايا الناس بشكل مباشر وفعّال. ففي كل بلد إسلامي، توجد حاجة ملحة إلى علماء ودعاة ينتمون إلى نفس البيئة الثقافية، ويفهمون اللغة المحلية والظروف الاجتماعية، ويستطيعون التواصل مع الناس بطرق فعّالة. وبذلك، فإن العلماء المحليين الذين يتخرجون من هذه الحوزات سيكونون في موقع أفضل لفهم احتياجات مجتمعاتهم وتقديم حلول عملية تتناسب مع تحدياتهم الخاصة. رابعًا: إنشاء مدرسة حوزوية نموذجية متعددة الوظائف. كانت رؤية الإمام الشيرازي للحوزة العلمية تختلف بشكل جذري عن النموذج التقليدي المتبع في العديد من الحوزات التي تقتصر على إعطاء الدروس الفقهية والأصولية فقط. وفي هذا التصور، كانت الحوزة بالنسبة له مركز متكامل يتسع ليشمل جميع جوانب الدراسة الفكريَّة، والتأليف، والبحث، والندوات الفكرية، بالإضافة إلى التدريب المهني والوعي الحضاري. فالمدرسة الحوزوية النموذجية – وفقًا لرؤيته– يجب أن تُعدّ الطالب ليكون عالمًا ومصلحًا في آن واحد، بحيث تخرج من بين جدرانها خطباء وباحثين وكتّابًا ومديرين ومبلّغين ومحققين؛ وقد أسس فعليًا العديد من المدارس النموذجية في مدن إسلامية مقدَّسة مثل قم المقدَّسة وكربلاء، بالإضافة إلى دول أخرى، ووفّر لها البيئة المناسبة للتطور الفكري والعلمي. وهذه المدارس كانت مراكز إنتاج علمي حيث كان الطلاب يتعلمون ويتدربون على كيفية الكتابة والتأليف في شتَّى المجالات الدينية والفكرية. ومن أجل تحقيق هذا النموذج المتكامل، كان المجدد يولي اهتمامًا خاصًا أيضًا لتوفير المستلزمات اللازمة التي تتيح للطلاب التفاعل مع العالم الفكري المعاصر؛ فقد عمل على تهيئة البيئة المناسبة للطلاب لكي يتلقوا علمًا موجهًا نحو الابتكار والإبداع، واستخدام التقنيات الحديثة في البحث العلمي، بحيث يتحقق الاستقلال العلمي والقدرة على تقديم مساهمات علمية تواكب متطلبات العصر. إنَّ مشروع المجدد الشيرازي لتطوير الحوزات العلمية كان ضرورة شرعية وحضارية تفرضها طبيعة المرحلة التي تمر بها الأمة الإسلامية، وأنَّ الأمة الإسلامية لا يمكن لها النهوض ما لم يكن علماؤها قادرين على القيام بدورهم الطليعي في إصلاح الأمة، ولا يمكن للعلماء أن ينجزوا مهمتهم الكبرى ما لم تكن الحوزات العلمية مؤهلة بما يتناسب مع التحديات العصرية التي تطرأ على المجتمع الإسلامي. لقد أدرك تمامًا أنَّ إصلاح الحوزة هو الخطوة الأولى نحو إصلاح الأمة بأسرها، وأنَّ الفكرة الطموحة في تحديث وتطوير المؤسسات العلميَّة هي الركيزة الأساسيَّة في استعادة القوة الفكريَّة و النهضة الحضارية التي تستحقها الأمة الإسلامية. وبناءً على ذلك، فإنَّ الوفاء لسماحة المرجع المجدد الثاني الشيرازي (أعلى الله مقامه) لا يكون بالثناء عليه فقط أو بالاحتفاء بإنجازاته؛ بل هو في تبني مشروعه الإصلاحي والعمل على تفعيله في الواقع المعاصر؛ وتفعيل مشروعه يعني إصلاح الحوزة العلمية لتكون منارة للعلم و مركزًا للفكر ومنطلقًا للإصلاح الشامل(1). * مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2025 ........................................... الهوامش: 1. للمزيد حول الموضوع ينظر المؤلفات الآتية للمجدد الشيرازي (أعلى الله تعالى مقامه): - نظام الحوزات العلمية في العراق. - دور الحوزة العلمية في بناء المجتمع. - إلى الحوزات العلمية. - الفقه العولمة. - السبيل الى انهاض المسلمين. - المرجعية الاسلامية. - الى الوكلاء في البلاد. - الى نهضة ثقافية اسلامية. - كلمات حول نهضة المسلمين. - كيف ولماذا اسلموا؟ - مقومات رجل الدين. - تسعون مليار نسمة. - ثلاثة مليارات من الكتب. - كيف يمكن نجاة الغرب. - الصياغة الجديدة لعالم الإيمان والحرية والرفاه والسلام. - حوار حول تطبيق الإسلام. - ممارسة التغيير لإنقاذ المسلمين. - أثر النشاط والحكمة في تقدم المسلمين. - أنفقوا لكي تتقدموا. - إلى العالم. - فقه المستقبل.


شبكة النبأ
٢٠-٠٤-٢٠٢٥
- منوعات
- شبكة النبأ
دروس تربويَّة من سيرة المرجع الراحل السيد محمد الشيرازي
كانت مواقفه في حياته اليوميَّة، وتعامله مع الناس، دروسًا صامتة لكنها أبلغ من ألف خطبة، ورسالته الحقيقيَّة كانت بناء الإنسان، قبل بناء أي مؤسسة أو مشروع. ما قدَّمه السيِّد الشيرازي من قيم وتوجيهات إنَّما يمثل زادًا تربويًّا يحتاجه كلُّ مربٍ وكلُّ داعية؛ بل وكل إنسان يريد لنفسه طريق الخير... سماحة المرجع الدِّيني السَّيد محمَّد الحسيني الشيرازي (أعلى الله تعالى مقامه) هو واحد من أبرز علماء الدِّين والمفكرين الذينَ تركوا أثرًا عميقًا في مسار الحياة الإسلاميَّة المعاصرة؛ فقد امتلأت حياته بالعبر التَّربويَّة التي تمزج بين العلم والعمل الصَّالح؛ إذ استطاع أن يوازن بين المعرفة الواسعة والروح التربويَّة الرَّفيعة. اتَّسمت مواقفه بتوجيهات حكيمة وأساليب تربويَّة نبيلة، كان لها تأثير كبير في حياة الأفراد والمجتمعات؛ وفي هذا السِّياق، سنتناول بعضًا من مواقفه التَّربويَّة التي شكَّلت مصدرًا للإلهام والإرشاد، وأثَّرت في كلِّ من تتلمذ على يديه أو تأثَّر بتوجهاته، ليصبحوا عنصرًا فاعلًا في تغيير مجتمعاتهم نحو الأفضل. الدرس الأوَّل: النيَّة الطيِّبة والهدف الأسمى. الإخلاص من أسمى القيم التي يجب أن يتحلَّى بها المسلم في كافَّة أعماله؛ سواء كانت عبادات أو أعمالًا خيريَّة؛ فالإخلاص هو سرُّ قبول الأعمال في الدُّنيا والآخرة، وهو المعيار الذي يقيم الله (عزَّ وجلَّ) به الأعمال؛ وفي هذا المضمار نجد سماحة السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (طيَّب الله ثراه) يحرص دائمًا على أن تكون أعماله خالصة لوجه الله (تعالى)، بعيدًا عن أي مظاهر للتفاخر أو الرِّياء. وممَّا يروى بهذا الصدد: "كانت في مدينة كربلاء المقدَّسة إحدى القابلات المتدينات، وكانت من مقلدي سماحة المرجع السيِّد محمَّد الشيرازي (رحمة الله تعالى عليه)، وتدعى (الحاجة صفيَّة)، وفي أحد الأيَّام جاءت إليه، وقالت له: لدي منزل واقع في المنطقة (الفلانية)، وكانت من المناطق الرَّاقية في كربلاء المقدسة. وقد اشتريته من أموالي الخالصة والمخمَّسة، وأودُّ أن أهديه إلى سماحتكم؛ لتسكنوا أنتم، وعائلتكم فيه. فأجاب السيِّد الشيرازي: لقد قبلت هديتكم فجزاكم الله خيرًا، وتقبَّل الله أعمالكم؛ ولكن إذا تسمحين لي أن اجعلها مكتبة عامَّة؛ لتكون فائدتها عامَّة للناس، فأجابت القابلة بعد أن استولى الاستغراب عليها: إنني يا سيدنا أحب أن تسكنوها أنتم، فأجابها سماحة السيِّد: ألا تحبين أن يكون ثوابك أكثر، وأجرك أكبر؟ فكوني على ثقة تامَّة بأنَّ المكتبة أكثر ثوابًا وأعظم أجرًا -إن شاء الله (تعالى)-، فأجابت القابلة: ما تقولونه يا سيدنا صحيح؛ ولكني أودُّ أن تسكنوها أنتم يا سيدي بأنفسكم، ولما رأى السيِّد الشيرازي إصرارها على ذلك تحدَّث معها مدَّة حتَّى أقنعها على تحويل الدَّار إلى مكتبة عامَّة، وقد سميت باسم (مكتبة القرآن الكريم العامَّة). الملفت للانتباه أنَّ البعض من مقلديه (رحمه الله) نصبوا لافتة على باب المكتبة، وكتب عليها ما يدلُّ على أنَّ السيِّد الشيرازي قد وقفها لذلك؛ ولكنه (أعلى الله درجاته) ولإخلاصه الشَّديد، وعدم التَّظاهر، والتَّفاخر بأعماله التي يقوم بها أمرهم برفعها" (1). ومن خلال هذه المواقف، نكتشف العديد من الدروس التربويَّة العميقة التي تعكس القيم الإنسانيَّة العالية؛ وأوَّل درس يظهر الإخلاص في العمل كأحد أبرز هذه القيم، حيث كان السيِّد الشيرازي (قُدِّس سره) حريصًا على عدم التَّفاخر أو التَّظاهر بالأعمال الخيريَّة؛ وهذا الموقف يعلِّمنا أنَّ العمل يجب أن يكون لوجه الله (تعالى)، بعيدًا عن أي رغبة في الشهرة أو الرياء، وأن الإخلاص هو أساس قبول الأعمال. كما تبرز نظرة شمولية للخير، حيث كان السيِّد الشيرازي يسعى لتحويل نية القابلة التي كانت ترغب في إهداء المنزل له شخصيًا إلى هدف أسمى، وهو جعل المنزل مصدرًا للعلم والنفع العام. وهذا التحول يعكس أهميَّة توجيه الأعمال الطيبة نحو خدمة المجتمع بأسره بدلًا من المصالح الشخصيَّة، حيث يُظهر كيف يمكن للأعمال الخيرية أن تكون مصدرًا للمصلحة العامة، وتساهم في خدمة الجميع. علاوة على ذلك، تسلِّط القصَّة الضوء على مفهوم التربيَّة على العطاء والبذل؛ إذ يظهر كيف يمكن للتوجيه التَّربوي أن يقنع الآخرين بأن أعمالهم قد تكون أكثر نفعًا وأعظم أجرًا إذا تم توجيهها بشكل صحيح. كذلك نجد في تحويل المنزل إلى مكتبة عامة تأكيدًا على أهميَّة التَّعليم والتثقيف في الإسلام؛ فتحويل البيت إلى مكتبة عامَّة يعكس التقدير الكبير للعلم والمعرفة كأداة للنهوض بالمجتمع، وأنَّ الإسلام يولي العلم مكانة كبيرة باعتباره وسيلة لتحسين الأفراد والمجتمعات، ومن خلال نشر العلم يمكن تحقيق التغيير الإيجابي الذي يعود بالنفع على الجميع. ثمَّ إنَّ من أبرز الصِّفات التي تميَّز بها السيِّد الشيرازي (رضوان الله عليه) تواضعه الجمّ وخضوعه المطلق لأهل البيت (عليهم السلام)، فقد كان شديد الأدب معهم، ولا يقدِّم نفسه على المعصومين في قول أو فعل، ولا يسمح بأن يضع اسمه بدلًا من أسمائهم، وكان يرى في ذلك تجاسرًا لا يليق بمقامهم القدسي، فحرص دائمًا على أن يظل اسمه خافتًا عند ذكرهم، مؤمنًا بأنَّهم النور الذي لا يُضاهى، وأنَّ كلَّ مقام يُذكر فيه اسم المعصوم (عليهم السلام) يجب أن يُصان من أي تدخّل بشري قد يخل بجلالته. "نقل سماحة حجَّة الإسلام والمسلمين السيِّد مهدي الشيرازي (حفظه الله) أنَّ أحد التُّجار المحترمين جاء إلى والدي، وأهداه مبلغًا ضخمًا، فقال له (رحمه الله): كان من الأفضل لك أن تضيف إليه مبلغاً إضافيًا وتشتري أرضًا، وتشيد مسجدًا تقام فيه الصَّلاة، فقبل ذلك التَّاجر، وقال: ولكن بشرط أن يكون ذلك المسجد باسمك، وبقي يصرُّ على ذلك. فقال له الوالد: أأنت تريد رضاية خاطري، أم خاطركم؟ فقال التَّاجر: بل خاطركم يا مولانا. فقال الوالد: إذا كنت تريد رضايتي فاجعل المسجد باسم الإمام زين العابدين (عليه السلام) فقبل التَّاجر، وما زال المسجد موجودًا حتَّى الآن في مدينة قم المقدَّسة إلى جانب المرقد الشريف لابن بابويه"(2). الدرس الثَّاني: الوفاء للأصدقاء على الرغم من أن الحفاظ على بعض الصداقات قد لا يكون محبوبًا في ظاهر الأمر، خصوصًا عندما تختلف الطباع أو تتباين القناعات، إلَّا أنَّ التَّمسك ببعض هذه العلاقات قد يكشف عن جوانب طيِّبة في النَّفس، كالوفاء، والصبر؛ فالصَّديق وإن لم يكن مثاليًّا قد يحمل في قلبه محبَّة خالصة أو نيَّة صادقة لا تُقدّر بثمن، أو قد يحمل في طيَّاته صفات أو قدرات تُفيد في لحظات معيَّنة. قال السيِّد محمَّد الشيرازي (رحمة الله عليه): "اتفق مرَّة أن كان لي صديق كنت أحافظ على صداقته رغم رفض الأصدقاء الآخرين له؛ بل ومارسوا الضَّغط عليَّ بأن اتركه، وبعد مدَّة قليلة حدثت لنا مشكلة، فقلت: من يستطيع حلَّها؟ من يتمكن أن يذهب إلى الموظف الحكومي ويطلب منه حلَّ المشكلة؟ والجميع لم ينبسوا ببنت شفة، فقلت لهم: إنَّ صديقنا الذي طلبتم منِّي تركه هو القادر على لعب هذا الدور، وبالفعل أنجز المهمَّة التي أوكلت إليه. وكان لنا صديق آخر لا يرغب فيه بقية الأصدقاء وكانوا يتمنون أن اتركه أو اطرده أو أبعده عنِّي، وكنت أفعل العكس، وصادف أن جاء أهل قرية في شهر رمضان وكانوا يريدون خطيبًا، فأحجم الجميع عن الذهاب إلَّا هذا الصديق الذي وافق على المقترح سريعًا وذهب إلى القرية ونجح فيها فقلت لهم: إذا كنا طردناه ماذا كانت النتيجة؟!!"(3). تُظهر هذه المواقف كيف أنَّ الوفاء للأصدقاء يُعدُّ من المبادئ التربويَّة الأساسيَّة في الحياة، وعلى الرغم من الضغوط التي تعرَّض لها السيِّد الشيرازي لترك صديقه، إلَّا أنه بقي مخلصًا لصداقته، ممَّا يعكس قوَّة شخصيَّته وتمسكه بالقيم والمبادئ التي يؤمن بها، وهذه الوفاء لا يعبر فقط عن التزام أخلاقي؛ بل يشير أيضًا إلى مدى الاستقامة والتفاني في الحفاظ على العلاقات الإنسانيَّة. كما تسلط هذه المواقف الضوء على حقيقة أنَّ الشخص الذي قد لا يحظى بشعبيَّة أو الذي لا يفضله البعض قد يكون له دور إيجابي في المستقبل، وهذا يبرز أهميَّة عدم التسرع في الحكم على الآخرين بناءً على تصوراتنا الأوليَّة أو الانطباعات السطحيَّة؛ فكلُّ شخص يحمل في داخله إمكانيات وخصال قد لا تظهر بوضوح في البداية، ولذلك يجب أن نتجنَّب إصدار أحكام سريعة قد تحجب عنَّا الفرص للتعرف على قدراتهم الحقيقيَّة. إلى جانب ذلك، سنعرف ضرورة النَّظر إلى عمق العلاقة مع الأصدقاء بدلًا من الاهتمام بالمواقف السطحيَّة أو الانطباعات الأولى؛ فالحكم على الأشخاص بناءً على مواقف عابرة قد يخفف من قيمة العلاقة، بينما الحقيقة تكمن في فهم الشخص على مستوى أعمق، حيث يمكن لكلِّ شخص أن يكون له تأثير إيجابي في المستقبل، حتَّى لو لم يظهر ذلك في بداية معرفتنا به. الدرس الثَّالث: أخلاق تتجاوز الإساءة الأخلاق الرَّفيعة والتَّواضع هما من أبرز الصِّفات التي يجب أن يتحلَّى بها الإنسان، خاصَّة عندما يكون في مقام القيادة أو العلم، وفي هذه القصَّة، يظهر سماحة السيِّد محمَّد الشيرازي (رحمه الله) نموذجًا حيًّا للأخلاق العاليَّة والتَّعامل النَّبيل مع الآخرين، حتَّى في أصعب الظروف؛ "فقد نقل أحد العلماء الثُّقاة ممن لا يعتبر ضمن العاملين في مرجعيَّة آية الله السيِّد محمد الشيرازي (رحمه الله) أنَّه لما حلّ سماحة السيد في الكويت... أخذ أحد العلماء هناك يقول لجماعته كلامًا يستنقص به مقام السيِّد، ومما قاله: "انه أعلم منه" فذهب بعض الحاضرين إلى السيد الشيرازي ينقلون إليه ما قاله الرجل؛ فأجابهم السيد ما يلي: "أنتم أشخاص مؤمنون، لا أراكم نمّامين ولا كذّابين، وأنا لا اعتقد أنَّ فلانًا من شأنه هذا الكلام عنّي، وبالنسبة إلى أعلميته، فمن يقول أنا أعلم منه، لعلَّه هو أعلم منِّي بالفعل؛ لأني أراه إنسانًا لا يكذب"(4). هذه الأخلاق من السيد جعلت أولئك الأشخاص في ضمائرهم يقارنون بين عالمهم، وبين هذا السيد العظيم، فقرروا اتِّباع الأخلاق والتَّقوى، وتركوا ذلك العالم الذي أوقعه حسده فيما كان يريده لهذا السيِّد الجليل. وعلى الرَّغم من أنَّ العالم الآخر كان يحاول التقليل من مقام السيد الشيرازي بدافع من الحسد، إلَّا أنَّ ردَّ السيِّد كان يعكس حكمة عظيمة في التَّعامل مع الحسد والغيرة من الآخرين؛ إذ كان يترك الأمر لله (سبحانه) من دون أن يردَّ الإساء، وهذا يعكس ردَّ السيد الشيرازي إيمانًا عميقًا بأنَّ الله (تعالى) هو الذي يقرر مقام الإنسان، وأنَّ الإنسان يجب أن يترك الحكم لله (عزَّ وجلَّ) بعيدًا عن التَّفاخر والردود الانتقاميَّة. ومن طريق تصرفات السيِّد الشيرازي، تغيَّرت مواقف الحاضرين، وأدَّى تصرفه الرَّاقي إلى إقناعهم باتِّباع الأخلاق الحسنة والتقوى. الدرس الرَّابع: التعامل الحكيم مع الاختلافات. الاختلاف بين الفقهاء مسألة طبيعيَّة في التاريخ الإسلامي؛ حيث أنَّ اختلاف وجهات النظر بين العلماء ينبع من اختلاف الأساليب الفقهيَّة وطرق الاستنباط من النصوص الشرعيَّة. ومع ذلك، وعلى الرَّغم من هذه الاختلافات التي قد تبدو أحيانًا شاسعة، فإنَّ روح التعاون والاحترام المتبادل تظلُّ أساسًا في العلاقة بين العلماء؛ فالاختلاف في الرَّأي لا يعني بالضرورة تفرقة أو انقسام؛ بل يمكن أن يكون مصدرًا للإثراء الفكري والتطور الديني؛ وفي هذا الموقف، نرى كيف أنَّ سماحة آية الله العظمى السيِّد محمَّد الشيرازي (رحمه الله) تعامل مع الاختلافات بحكمة بالغة، مبرزًا قيمة التَّسامح والعفو، حتى في مواجهة من يختلفون معه في الرَّأي أو يهاجمونه. فقد روي أنَّه: "جاء قادم من إحدى الدول الخليجيَّة إلى مدينة قم المقدَّسة، فالتقى بمرجعه الذي هو سماحة آية الله العظمى السيِّد محمَّد الشيرازي (أعلى الله مقامه). سأله السيد الشيرازي ـ كعادته ـ عن أوضاع المسلمين والمؤمنين في تلك الدَّولة، وفي أثناء سرد الرجل لمجموعة من الأخبار، ذكر اسم مسجد. فقال له السيِّد الشيرازي: من يصلي فيه؟ فقال: العالم الفلاني، وذكر اسمه. قال السيِّد: وهل تصلي خلفه؟ أجابه الرَّجل: لأنَّه يجاهر في اغتيابكم سيّدنا! قال السيد: هذا هو السَّبب فقط؟ قال: نعم سيدنا، إنَّه فاسق بارتكابه الغيبة، وكلامه ضدّكم. فقال له السيِّد الشيرازي: أنا أقول لك اذهب وصلِّ خلفه، ولا تبالي! قال الرجل باستغراب: سيدنا إنَّه باغتيابكم، وتمزيقه لصفوف النَّاس، وبثِّه التَّفرقة حتَّى بين العائلة الواحدة بسبب أنَّ فيها من يقلدكم، لا تبقى له عدالة، أليست العدالة شرط صحة الجماعة كما اتَّفق الفقهاء، وسماحتكم منهم؟ ابتسم السيِّد وكرّر قائلًا: أنا صاحب الحقِّ، فقد عفوت عنه، ومتى ما اغتابني فإنَّ عفوي له باق على حاله، إذن عدالته لا تكون ساقطة من هذه النَّاحية، فالتزم بصلاة الجماعة خلفه، وانصحه بالتي هي أحسن، وبدون حضور الآخرين؛ كي لا تأخذه العزة فيصرُّ على موقفه، كونوا متحابين في الله، متعاونين لدين الله"(5). وتُظهر القصة درسًا عميقًا في التَّسامح والعفو، حتَّى في ظلِّ الإساءة؛ إذ نجد أن السيِّد الشيرازي، حتَّى وإن تعرَّض للغيبة من قبل أحد الأشخاص، اختار أن يعفو عن هذا الرجل ويطلب منه الصلاة خلفه، وهذا التصرف يعكس تجسيدًا عظيمًا للأخلاق الإسلاميَّة، التي تبرز التسامح والتجاوز عن الأخطاء، وتُظهر لنا كيف يمكن أن يتعامل الإنسان مع المواقف الصعبة بحلم ورحمة. كما تعكس القصة الأسلوب الهادئ والمتزن الذي يجب أن يتبعه المسلم في مواجهة الاختلافات في الرأي أو التصرفات؛ ففي الوقت الذي قد يكون فيه التباين في الأفكار أو المواقف أمرًا طبيعيًّا، يعكس تصرف السيد الشيرازي كيف يمكن للمسلم أن يتقبل الآخر، بغضِّ النَّظر عن الفروقات الفكريَّة أو الفقهيَّة، ويظل محافظًا على الوحدة والإخوة بين المسلمين. ويتجلَّى من تصرف السيِّد الشيرازي حرصه الكبير على الحفاظ على الوحدة الإسلاميَّة والابتعاد عن التفرقة التي قد تنشأ نتيجة للخلافات الشخصيَّة أو الفقهيَّة، فبدلًا من أن يسمح بتفاقم الخلافات، كان يهدف إلى تعزيز المحبَّة والتآلف بين المسلمين، مما يعكس حرصه على المصلحة العامَّة للدِّين والمجتمع. كذلك تبيِّن القصَّة كيف أنَّ التعاون بين المسلمين يجب أن يتجاوز الخلافات الفكريَّة والفقهيَّة من أجل تحقيق مصلحة الدِّين والمجتمع؛ فالتعاون والتآلف في الله (تعالى) هما الأساس لبناء مجتمع إسلامي متماسك، يركِّز على المصالح المشتركة بدلًا من الفرقة التي قد تنجم عن الاختلافات. الدرس الخامس: أسلوب الرَّحمة في توجيه العاصين. في كثير من الأحيان، نواجه مواقف صعبة مع الأشخاص الذين يخطئون في حقِّ أنفسهم أو غيرهم، وقد نميل في تلك اللحظات إلى التصرف بحزم أو حتَّى بقسوة على أمل أن نصحح خطأهم؛ ولكن الحقيقة هي أنَّ التَّعامل مع العاصين أو المخطئين بأسلوب الهدوء والحلم يمكن أن يكون له تأثير أكبر في إحداث التغيير والإصلاح؛ فالرفق واللطف في التَّعامل مع الآخرين، خاصَّة أولئك الذين يخطئون، لهما قدرة عظيمة على فتح قلوبهم وتوجيههم إلى الطريق الصحيح، وفي هذه القصة نرى كيف أنَّ أسلوب السيِّد محمَّد الشيرازي (رضوان الله عليه) في التَّعامل مع شخص أخطأ في سلوكه، كان مثالًا حيًّا على كيفيَّة تأثير الحكمة والهدوء على النُّفوس، وكيف أنَّ التوجيه الصائب يمكن أن يفتح أبواب التَّوبة والرجوع إلى الله (تعالى). "نقل أحد خدمة الإمام الحسين (عليه السلام) الذين قضوا أعمارهم في خدمة أهل البيت (عليهم السلام)، وإحياء مجالسهم القصَّة التَّالية فقال: في أيَّام شبابي كنت أعيش شره الشَّباب، وجنونه، وكنت ألبس خاتمًا من ذهب. وفي أحد الأيام ذهبت إلى مجلس من مجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، وذلك في منزل بعض الأصدقاء... دخلت المجلس والخطيب في أثناء خطابه فلمَّا جلست وقعت عيناه على يدي فرأى خاتم الذَّهب الذي كنت متختمًا به، فخاطبني وهو على المنبر قائلًا: يا عاصي، لماذا لبست خاتم الذَّهب، أما تستحي من الله (تعالى)، ومن الإمام الحسين (عليه السلام)؟ وحيث إنني لم أكن متوقعًا من الخطيب أن يخاطبني بمثل هذه اللهجة الحادَّة أمام أصدقائي، ومعارفي فقد أخذني العزَّة بالإثم، وبدأت أوجه إليه كلَّ ما يخرج من اللسان، والشَّتائم، ثمَّ قلت له: لأنك عاملتني بمثل هذا التَّعامل السيء فلن أخرج الخاتم من يدي أبدًا، وإنَّ أي أحد لن يستطيع إجباري على ذلك! وقد أدَّى هذا النِّزاع اللفظي إلى اختلال نظام المجلس مما دعا بعض المشاركين أن يشير عليّ بالخروج من المجلس؛ لكن صاحب المجلس جاء إلي، وطلب منِّي ألَّا أقول شيئًا. وبعد مضي عدَّة أشهر على هذه الحادثة اشتركت، وبطلب من بعض الأصدقاء في وليمة زفاف لأحد الأقرباء، وكنت أقدّم الشربت للضيوف، وكان من جملة المدعوين لوليمة الزفاف والضيوف الكرام سماحة آية الله العظمى السيِّد محمَّد الشيرازي (رحمة الله عليه) ولما قدمت الشربت رأيت منه عملًا أثار تعجبي ودهشتي؛ فقد رأيته قام لي، واحترمني كثيرًا، ثمَّ قال لي بصوت منخفض هادئ: "هداك الله"، ثمَّ أخذ منِّي كأس الشَّربت، وشكرني عليه. بقيت متعجبًا كثيرًا من فعل السيّد. ورحت أفكر في نفسي وأقول: لماذا احترمني السَّيد كلَّ هذا الاحترام الشَّديد، وما هو مقصوده من جملة "هداك الله"، وبشكل لا إرادي وقعت عيني على خاتم الذَّهب الذي بيدي، فقلت في نفسي لعلّ مراد السيِّد هو هذا الخاتم، فعمدت إليه، وأخرجته من يدي، وقلت في نفسي: هذا من أجل السيّد، وإذا ذهب لبسته مرَّة أخرى. وبعد دقائق ذهبت إلى سماحته لآخذ منه كأس الشربت وإذا به يقوم لي مرّة أخرى، ويحترمني، ويرجع الكأس إلي ويقول لي بكلِّ هدوء: "الحمد لله" ثمَّ جلس. لقد تأثرت كثيرًا بهذا التَّعامل الأخلاقي السَّاحر حتَّى إنني ندمت في إصراري على لبس خاتم الذَّهب! وعاهدت الله في نفس ذلك الموقف على الإقلاع منه، وقلت: إنّني أتوب إلى الله (تعالى) من هذا العمل المحرّم، ولن أعود إليه أبدًا، ثمَّ قلت: ياليت جميع المبلِّغين يأمرون الناس بالمعروف، وينهوهم عن المنكر بهذه الكيفيَّة المؤثرة، وبهذا الأسلوب الجميل؛ ليهتدي الناس بأوامرهم، ولا تأخذهم العزّة بالإثم"(6). وإجمالًا لما تقدَّم، لا يسعنا إلَّا أن نقف بإجلال أمام سيرة هذا المرجع الربَّاني؛ سماحة السيِّد محمَّد الحسيني الشيرازي (أعلى الله مقامه)، الذي لم يكن مجرد فقيه أو قائد ديني؛ بل كان قدوة متكاملة في الأخلاق والتربيَّة، ومعلّمًا بليغًا في السلوك والنيَّة والرَّحمة والتَّسامح. لقد كانت مواقفه في حياته اليوميَّة، وتعامله مع الناس، دروسًا صامتة لكنها أبلغ من ألف خطبة، ورسالته الحقيقيَّة كانت بناء الإنسان، قبل بناء أي مؤسسة أو مشروع. إنَّ ما قدَّمه السيِّد الشيرازي (أعلى الله مقامه) من قيم وتوجيهات إنَّما يمثل زادًا تربويًّا يحتاجه كلُّ مربٍ وكلُّ داعية؛ بل وكل إنسان يريد لنفسه طريق الخير والعطاء. فلنستلهم من سيرته المباركة ما يعيننا على تهذيب أنفسنا، وخدمة ديننا، وتربية مجتمعاتنا على المحبَّة والإخلاص، لنكون بذلك من السائرين على نهج الصَّالحين، ومن العاملين على امتداد رسالتهم في الحياة. ...................................... الهوامش: 1. ينظر: القصص الشيرازيَّة: 26. 2. 100 قصَّة حول الإخلاص: 56. 3. لكيلا تتنازعوا: 362. 4. قصص وخواطر: 427. 5. السبيل إلى الألفة الشيعيَّة: 80. 6. القصص الشيرازيَّة: 106.