
لمن بطولة كشف الجاسوس؟... وثائق 'كوهين' تشعل جدلا قديما
أثار إعلان إسرائيل عن استعادتها نحو 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية تعود إلى "الأرشيف السوري الرسمي" المرتبط بعميل جهاز "الموساد" إيلي كوهين، بعد مرور 60 عاماً على إعدامه في دمشق عام 1965، موجة جدل واسعة بين الجمهور العربي. وتركز الجدل على خلفية العملية الاستخباراتية التي قالت تل أبيب إنها تمكنت عبرها من استرجاع الملف السري لأحد أبرز جواسيسها، الذي تمكن من التغلغل في أعلى هرم السلطة السورية آنذاك، كذلك أخذ النقاش بعداً تاريخياً، إذ أعيد طرح التساؤلات حول الجهة التي كشفت أمر كوهين في ستينيات القرن الماضي.
استطاع كوهين التغلغل في أوساط النخبة العسكرية والسياسية السورية في الأعوام التي سبقت حرب الأيام الستة عام 1967. ويعتقد أن المعلومات التي حصل عليها أدت دوراً رئيساً في الهزيمة التي مني بها الطرف العربي في هذه الحرب. وألقي القبض عليه في يناير (كانون الثاني) 1965، وأعدم شنقاً في دمشق، لكن الظروف المحيطة باعتقاله ظلت محل جدل منذ ذلك الحين، وهي مصدر نقاش مستمر، إذ جادل بعضهم بأن كوهين لم يتبع الإجراءات الأمنية اللازمة، وحاول إرسال رسائل كثيرة جداً، مما لفت انتباه السوريين، وألقى آخرون باللوم على رؤساء كوهين، قائلين إنه تعرض لضغوط هائلة لتقديم معلومات جديدة، مما أدى إلى كشفه واعتقاله.
روايتان مصرية وإسرائيلية
لكن عملية الكشف عن هوية إيلي كوهين، أو من كان يعرف باسم "كامل أمين ثابت"، الذي شغل موقعاً مؤثراً كمستشار غير رسمي لكبار ضباط الجيش السوري، من بينهم أمين الحافظ الذي أصبح لاحقاً رئيساً لسوريا وكان من أصدقائه المقربين، لا تزال تثير جدلاً من نوع آخر في العالم العربي، إذ تتضارب الروايات حول الجهة التي تقف وراء فضح أمره، فبينما ترجع إحدى الروايات الفضل إلى الاستخبارات السوفياتية، تشير أخرى إلى دور محوري للاستخبارات المصرية في كشف الجاسوس الذي اخترق مفاصل السلطة السورية في واحدة من أخطر عمليات التجسس في تاريخ المنطقة.
الرواية الأولى وهي الرواية التي يتبناها الجانب الإسرائيلي، تقول إن كوهين افتضح أمره نتيجة تعاون بين الاستخبارات السورية وخبراء سوفيات وفروا الدعم التقني من خلال معدات متطورة لتتبع إشارات الراديو التي أدت إلى اعتراض رسائله إلى "الموساد" وتحديد موقعه أثناء إرساله معلومات إلى إسرائيل. هذه الرواية أكدتها إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2022، عندما قال رئيس "الموساد" ديفيد بارنيا خلال افتتاح متحف لإحياء ذكرى كوهين في مدينة هرتزليا، إن تحقيقاً في الآونة الأخيرة خلص إلى أن كوهين قبض عليه "فقط لأن العدو اعترض عمليات إرسال له"، رافضاً النظريات القائلة بأن كوهين كشف نفسه للجانب السوري من طريق إرسال رسائل كثيرة، ربما تحت ضغط من قياداته أو خالف التعليمات.
ومع ذلك فإن تشابك الروايات والخلفية التاريخية لكوهين كمصري المولد وشارك في خلية تجسس داخل مصر في خمسينيات القرن الماضي، جنباً إلى جنب مع بعض شهادات إسرائيليين تحدثوا في كتب لهم عن النشاط الاستخباراتي المصري الواسع في ذلك الوقت، يشير إلى احتمال تعاون استخباراتي ثلاثي بين مصر وسوريا والسوفيات، أدى في نهاية المطاف إلى كشف هوية "كامل أمين ثابت"، الذي كان متزوجاً من يهودية عراقية.
فضيحة "لافون"
ولد كوهين في الإسكندرية في الـ26 من ديسمبر 1924، لأبوين من يهود مدينة حلب في سوريا. وعام 1949 انتقل والداه وإخوته الثلاثة إلى إسرائيل، بينما بقي إيلي في مصر لتنسيق الأنشطة اليهودية والصهيونية، وكان ضمن شبكة تجسس ما يعرف بفضيحة "لافون" أو عملية "سوزانا" الفاشلة، التي ضُبطت وفُككت عام 1954.
وفي صيف 1954 نفذت وحدة سرية تابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تعرف بـ"الوحدة 131" عملية تجنيد ليهود مصريين لتنفيذ تفجيرات في منشآت أميركية وبريطانية داخل مصر، بهدف تقويض العلاقات بين مصر والغرب. كشفت الاستخبارات المصرية الخلية، وألقت القبض على أعضائها، مما أدى إلى إعدام اثنين منهم وسجن الآخرين.وعرفت الحادثة لاحقاً باسم "فضيحة لافون" نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي بنحاس لافون، الذي تبادل الاتهامات مع رئيس الاستخبارات بنيامين جبلي حول المسؤولية عن العملية، مما أدى إلى استقالته وتسمية الفضيحة باسمه. وبينما لم يكن إيلي متورطاً بشكل مباشر في عملية "سوزانا"، إلا أنه كان منتظماً في أنشطة مؤيدة لإسرائيل، وقد خضع لاستجواب عنيف من قبل الاستخبارات المصرية.
غادر إيلي كوهين مصر متوجهاً إلى إسرائيل في صيف عام 1955 ليتلقى تدريباً مكثفاً على التجسس، ووفق "المكتبة اليهودية" التابعة لمركز المشروع التعاوني الأميركي الإسرائيلي، تلقى كوهين تدريبه في المنشأة نفسها التي كانت قد استخدمت لتدريب أعضاء "عملية سوزانا" عام 1953. وعاد إلى مصر عام 1956، لكن الشكوك حامت حوله فوراً، ووُضع تحت المراقبة. وعند بداية حرب 1956 عندما احتلت إسرائيل سيناء اعتُقل من قبل السلطات المصرية، وطُرد من مصر مع بقية يهود الإسكندرية في نهاية الحرب، ليصل إلى إسرائيل في الثامن من فبراير (شباط) 1957.
"كامل أمين ثابت"
وفي حين ترددت الاستخبارات العسكرية في تجنيد كوهين مجدداً لأسباب تتعدد بين خشية افتضاح أمره من الاستخبارات المصرية أو عدم الاقتناع بمهاراته، لكن بحلول عام 1960 كانت الاستخبارات الإسرائيلية مستعدة لإعادة النظر في ذلك الشاب الذ ولد في بلد عربي، ويتمتع بملامح شرقية، وكان معروفاً بالشجاعة، ويتقن العربية والإنجليزية والفرنسية، كذلك فإن الحدود مع سوريا كانت تشهد تصعيداً. وبالفعل جُند ودُرب بشكل مكثف بما في ذلك تعلم تقنيات القيادة الهجومية واستخدام الأسلحة (وبخاصة الأسلحة الخفيفة) والخرائط، والأهم من ذلك الاتصالات اللاسلكية والتشفير. وكانت هذه المهارات ضرورية لتأمين سلامة وبقاء شخصية كامل أمين ثابت، وهو الاسم الجديد لإيلي كوهين. وكان تعلم اللهجة السورية بدقة من أصعب المهام، إذ كانت لهجة كوهين المصرية واضحة في السابق.
أنشأت الاستخبارات الإسرائيلية له هوية جديدة بالكامل، ولد "كامل أمين ثابت" في بيروت لأبوين سوريين مسلمين، والده أمين ثابت ووالدته سعدية إبراهيم، وفقاً لسيرته الوهمية، انتقلت العائلة إلى الأرجنتين عام 1948 حيث أسسوا عملاً ناجحاً في النسيج، فيما عودة كامل إلى سوريا كانت ستبدو وكأنها تحقيق لحلم وطني طال انتظاره.
بوينس آيرس - دمشق
أرسل إيلي أولاً إلى بوينس آيرس، الأرجنتين، لتقديمه كلاجئ سوري. وسرعان ما أصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية للجالية السورية هناك، وكان معروفاً كرجل أعمال ثري وكريم ومحب للحياة الليلية. سرعان ما كون علاقات مع سياسيين ودبلوماسيين وعسكريين من السفارة السورية، ومن بينهم العقيد أمين الحافظ، أحد مؤيدي حزب البعث.
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
بفضل حفلاته الفاخرة وكرمه، تلقى دعوات لزيارة دمشق وتأسيس مشروع تجاري هناك. ووعده بعض السوريين بالدعم الكامل، وأثار المال الذي بدا أنه يمتلكه اهتمام الطامعين والفاسدين، وكذلك الوطنيون السوريون الذين كانوا يأملون في ضخ أموال أجنبية إلى الاقتصاد السوري. وكان نجاحه في اختراق المجتمع والسياسة السورية قد فاق كل التوقعات.
وصل إيلي أخيراً إلى دمشق في فبراير 1962، متظاهراً بأنه رجل أعمال عاد من الأرجنتين. وهناك كون علاقات مع قيادات حزب البعث ومنهم أمين الحافظ، وكان يشارك في المقاهي يستمع للأحاديث السياسية، ويستضيف حفلات حيث كان المسؤولون يتحدثون بحرية، بينما كان إيلي يتظاهر بالسكر ويبقى متيقظاً. عندما استولى "البعث" على السلطة عام 1963، كان إيلي جزءاً من النخبة السورية، وكان يرسل معلومات إلى إسرائيل عبر جهاز إرسال لا سلكي في غرفته.
عاد إلى إسرائيل ثلاث مرات بين 1962 و1965. وفي إحدى المرات نقل معلومات حول مشروع سوري لتحويل مجرى نهر بانياس – أحد روافد نهر الأردن – بعيداً من إسرائيل. ونتيجة لهذه المعلومات دمرت الطائرات الإسرائيلية المشروع في أوائل 1964. وزار مرتفعات الجولان مع ضباط كبار، حيث صور مع كبار المسؤولين السوريين وهو يطل على إسرائيل. وقد حفظ إيلي مواقع المدافع والخنادق والمواقع المحصنة والفخاخ المضادة للدبابات، وأبلغ إسرائيل بها، واقترح على السوريين زراعة أشجار الكافور لإخفاء المواقع، وهو ما مكن إسرائيل لاحقاً من تحديد تلك المواقع بدقة.
وبعد أن أصبح أمين الحافظ رئيساً للوزراء، كاد إيلي أن يعين نائباً لوزير الدفاع السوري، لكن تغييرات في الحكومة السورية، وعداء رئيس الاستخبارات السورية العقيد أحمد السويداني، جعلت إيلي يشعر بالخطر. وفي زيارته الأخيرة لإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 1964، أعرب عن رغبته بإنهاء مهمته، لكن الاستخبارات طلبت منه العودة مرة أخيرة.
صوره مع كبار قادة سوريا
ظهوره المتزايد مع النخبة السورية والصور التي التقطت له تتفق مع الرواية المصرية التي تقول إن ضابطاً مصرياً سبق له التحقيق مع كوهين في القاهرة تعرف إليه من خلال صوره مع المسؤولين السوريين ومن ثم أبلغت القاهرة الاستخبارات السورية. ووفق رواية أخرى منسوبة لـ"فالتراود بيتون" زوجة ضابط الاستخبارات المصري رفعت الجمال المعروف بـ"رأفت الهجان" الذي دسته مصر في إسرائيل، فإن الجمال هو الذي كشف هوية الجاسوس الإسرائيلي في سوريا عندما رأى صورته في إحدى الصحف بصحبة ضباط سوريين. وفي الـ24 من يناير 1965، حدد خبراء روس مصدر الإرسال اللاسلكي في دمشق – وكان منزل إيلي، ومن ثم اقتحمت الاستخبارات السورية منزله أثناء الإرسال، بقيادة العقيد السويداني، حيث ألقي القبض عليه متلبساً.
ثمة عديد من الكتب لمؤلفين إسرائيليين تناولت تلك الحقبة الزمنية وحياة كوهين، لمحت إلى نشاط أجهزة الاستخبارات المصرية في المنطقة في ذلك الوقت والتعاون الاستخباراتي الواسع بين القاهرة ودمشق. وعلى سبيل المثال، تحدث كتاب "صمت محطم: قضية إيلي كوهين" الصادر عام 1971 لمؤلفيه زافي ألدوباي وجيرولد بالينجر، عن البيئة الاستخباراتية الإقليمية المعقدة التي عمل ضمنها كوهين، والتي تشمل بالطبع نشاطات الاستخبارات المصرية، وفي حين لا يحدد الكتاب دوراً مباشراً لمصر، لكنه يشير إلى أن التعاون بين أجهزة الاستخبارات العربية قد يكون أدى دوراً غير مباشر في الكشف عن كوهين.
ومع ذلك يذكر أيان بلاك وبيني موريس في كتابهما الصادر عام 1991 "حروب إسرائيل السرية: تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية"، أن كوهين لم يكن جاسوساً مثالياً. خلال زياراته إلى الوطن، حذره رؤساؤه مراراً من إرسال كثير من الرسائل أو من التصرف بلا جدية عبر الأثير، فقد أرسل مرة رسالة يعبر فيها عن خيبة أمله من خسارة فريق كرة القدم الوطني الإسرائيلي، وغالباً ما كان يرسل تحيات إلى زوجته نادية، ورسائل شخصية أخرى. وكان شقيق كوهين، موريس، يعمل حينها في قسم الاتصالات بالموساد وسرعان ما خمن هوية "منشيه" التي كان يستخدمها في رسائله، كذلك كان بعض المسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية يعتقدون أنه كان يلعب لعبة خطرة. ويذكر أهارون ياريف "لقد كان جيداً جداً كعميل، إلى درجة أنه أصبح قريباً جداً من شخصيات سورية مهمة، وبذلك أصبح مكشوفاً أكثر من اللازم"، واعتبر رافي إيتان، ضابط الموساد المخضرم، كوهين "جاسوساً سيئاً جداً" تصرف بغباء في دمشق.
كان كوهين يستخدم جهازه اللاسلكي وكأنه هاتف. ووفق بلاك وموريس، قال أحد مشرفيه لاحقاً "كنا نطرح عليه سؤالاً في الصباح، وبحلول المساء نحصل على الجواب". وبين الـ15 من مارس (آذار) والـ29 من أغسطس (آب) 1964، على سبيل المثال، أرسل نحو 100 رسالة، مدة كل واحدة نحو تسع دقائق، وبين الثاني من ديسمبر واعتقاله في الـ18 من يناير 1965، أرسل 31 رسالة، جميعها في الساعة 8:30 صباحاً. وعلى رغم أنه كان يعتبر فنياً جيداً في استخدام الراديو، فإن الإفراط في استخدام الأثير شكل خللاً أمنياً تراكمياً، وكان على الأرجح السبب المباشر لاعتقاله، فقد لاحظت الشاحنات التي يقودها رجال الأمن السوريون ومستشارون سوفيات التكرار في البث وتمكنت من تحديد مصدره حيث شقة كوهين.

جرب ميزات الذكاء الاصطناعي لدينا
اكتشف ما يمكن أن يفعله Daily8 AI من أجلك:
التعليقات
لا يوجد تعليقات بعد...
أخبار ذات صلة


Independent عربية
منذ 17 ساعات
- Independent عربية
مصادر: سوريا وافقت على تسليم متعلقات كوهين لإسرائيل كبادرة تجاه ترمب
قالت ثلاثة مصادر إن القيادة السورية وافقت على تسليم وثائق ومتعلقات الجاسوس إيلي كوهين لإسرائيل في محاولة لتخفيف حدة التوتر وإظهار حسن النوايا للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وفق ما نقلته وكالة "رويترز". وأعلنت إسرائيل يوم الأحد استعادة مجموعة من الوثائق والصور والمتعلقات الشخصية المرتبطة بكوهين قائلة إن الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" تعاونت مع جهاز استخبارات أجنبي لم تحدده للحصول على الوثائق والمتعلقات. ومع ذلك، قال مصدر أمني سوري ومستشار للرئيس السوري أحمد الشرع وشخص مطلع على المحادثات السرية بين البلدين إن أرشيف المواد عرض على إسرائيل في مبادرة غير مباشرة من الشرع في إطار سعيه لتهدئة التوتر وبناء الثقة لدى ترمب. ولا يزال كوهين، الذي أعدم شنقاً في عام 1965 في ساحة بوسط دمشق بعد اختراقه النخبة السياسية السورية، يعد بطلاً في إسرائيل وأشهر جاسوس للموساد لكشفه أسراراً عسكرية ساهمت في تحقيق النصر في حرب 1967. ووصف بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي كوهين يوم الأحد بأنه أسطورة و"أعظم عميل استخبارات في تاريخ الدولة". وتسعى إسرائيل منذ مدة طويلة لاستعادة رفاته ودفنه في إسرائيل. وأشاد الموساد باستلام متعلقاته التي احتفظت بها المخابرات السورية لمدة 60 عاماً ووصف ذلك بأنه "إنجاز أخلاقي رفيع". ولم توضح إسرائيل كيفية حصولها على الوثائق والمقتنيات واكتفت بالقول إن هذا نتيجة "عملية سرية ومعقدة للموساد، بالتعاون مع جهاز مخابرات أجنبي حليف". ولم يرد مكتب نتنياهو أو المسؤولون السوريون أو البيت الأبيض على طلبات للتعليق على دور سوريا في حصول إسرائيل على متعلقات كوهين. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ملف كوهين بعد التقدم المباغت للمعارضة بقيادة الشرع والإطاحة ببشار الأسد لينتهي حكم عائلته الذي دام 54 عاماً في ديسمبر (كانون الأول)، عثرت المعارضة على ملف كوهين في مقر أمني تابع للدولة، حسبما قال المصدر الأمني السوري. وأضاف المصدر أن الشرع ومستشاريه للشؤون الخارجية سرعان ما قرروا استخدام تلك المواد وسيلة للمساومة. وذكر المصدر الأمني أن الشرع أدرك أن وثائق كوهين ومقتنياته مهمة للإسرائيليين وأن إعادتها قد تمثل بادرة دبلوماسية بارزة. ووضع حد للهجمات الإسرائيلية على سوريا وتحسين العلاقات مع الولايات المتحدة والدول الغربية الأخرى أمران حيويان بالنسبة للشرع في الوقت الذي يسعى فيه إلى النهوض ببلاده المنهكة بعد حرب أهلية استمرت 14 عاماً. وتوغلت القوات الإسرائيلية في مناطق حدودية العام الماضي وقصفت مراراً أهدافاً لدعم الأقلية الدرزية في سوريا. وذكرت "رويترز" هذا الشهر أن الإمارات فتحت قناة اتصال للمحادثات بين إسرائيل وسوريا تضمنت جهوداً لبناء الثقة بين الجانبين. وقال مصدران مطلعان إن هناك أيضاً قنوات اتصال أخرى غير مباشرة للمحادثات. وذكر مصدر مطلع إن سوريا وافقت في المحادثات على إجراءات من بينها إعادة رفات كوهين وثلاثة جنود إسرائيليين لقوا حتفهم خلال قتال مع القوات السورية في لبنان في أوائل الثمانينيات. وذكرت إسرائيل الأسبوع الماضي أنها استعادت رفات أحد هؤلاء الجنود، وهو تسفي فيلدمان. وأضاف المصدر أن إعادة متعلقات كوهين جاءت في سياق تلك التدابير لبناء الثقة وتمت بموافقة مباشرة من الشرع. ويقول المسؤولون السوريون إنهم يريدون السلام مع جميع الدول في المنطقة، وأكد الشرع هذا الشهر أن دمشق أجرت محادثات غير مباشرة مع إسرائيل عبر دول تربطها بها علاقات من أجل تهدئة الوضع.


Independent عربية
منذ يوم واحد
- Independent عربية
لمن بطولة كشف الجاسوس؟... وثائق 'كوهين' تشعل جدلا قديما
أثار إعلان إسرائيل عن استعادتها نحو 2500 وثيقة وصورة ومقتنيات شخصية تعود إلى "الأرشيف السوري الرسمي" المرتبط بعميل جهاز "الموساد" إيلي كوهين، بعد مرور 60 عاماً على إعدامه في دمشق عام 1965، موجة جدل واسعة بين الجمهور العربي. وتركز الجدل على خلفية العملية الاستخباراتية التي قالت تل أبيب إنها تمكنت عبرها من استرجاع الملف السري لأحد أبرز جواسيسها، الذي تمكن من التغلغل في أعلى هرم السلطة السورية آنذاك، كذلك أخذ النقاش بعداً تاريخياً، إذ أعيد طرح التساؤلات حول الجهة التي كشفت أمر كوهين في ستينيات القرن الماضي. استطاع كوهين التغلغل في أوساط النخبة العسكرية والسياسية السورية في الأعوام التي سبقت حرب الأيام الستة عام 1967. ويعتقد أن المعلومات التي حصل عليها أدت دوراً رئيساً في الهزيمة التي مني بها الطرف العربي في هذه الحرب. وألقي القبض عليه في يناير (كانون الثاني) 1965، وأعدم شنقاً في دمشق، لكن الظروف المحيطة باعتقاله ظلت محل جدل منذ ذلك الحين، وهي مصدر نقاش مستمر، إذ جادل بعضهم بأن كوهين لم يتبع الإجراءات الأمنية اللازمة، وحاول إرسال رسائل كثيرة جداً، مما لفت انتباه السوريين، وألقى آخرون باللوم على رؤساء كوهين، قائلين إنه تعرض لضغوط هائلة لتقديم معلومات جديدة، مما أدى إلى كشفه واعتقاله. روايتان مصرية وإسرائيلية لكن عملية الكشف عن هوية إيلي كوهين، أو من كان يعرف باسم "كامل أمين ثابت"، الذي شغل موقعاً مؤثراً كمستشار غير رسمي لكبار ضباط الجيش السوري، من بينهم أمين الحافظ الذي أصبح لاحقاً رئيساً لسوريا وكان من أصدقائه المقربين، لا تزال تثير جدلاً من نوع آخر في العالم العربي، إذ تتضارب الروايات حول الجهة التي تقف وراء فضح أمره، فبينما ترجع إحدى الروايات الفضل إلى الاستخبارات السوفياتية، تشير أخرى إلى دور محوري للاستخبارات المصرية في كشف الجاسوس الذي اخترق مفاصل السلطة السورية في واحدة من أخطر عمليات التجسس في تاريخ المنطقة. الرواية الأولى وهي الرواية التي يتبناها الجانب الإسرائيلي، تقول إن كوهين افتضح أمره نتيجة تعاون بين الاستخبارات السورية وخبراء سوفيات وفروا الدعم التقني من خلال معدات متطورة لتتبع إشارات الراديو التي أدت إلى اعتراض رسائله إلى "الموساد" وتحديد موقعه أثناء إرساله معلومات إلى إسرائيل. هذه الرواية أكدتها إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2022، عندما قال رئيس "الموساد" ديفيد بارنيا خلال افتتاح متحف لإحياء ذكرى كوهين في مدينة هرتزليا، إن تحقيقاً في الآونة الأخيرة خلص إلى أن كوهين قبض عليه "فقط لأن العدو اعترض عمليات إرسال له"، رافضاً النظريات القائلة بأن كوهين كشف نفسه للجانب السوري من طريق إرسال رسائل كثيرة، ربما تحت ضغط من قياداته أو خالف التعليمات. ومع ذلك فإن تشابك الروايات والخلفية التاريخية لكوهين كمصري المولد وشارك في خلية تجسس داخل مصر في خمسينيات القرن الماضي، جنباً إلى جنب مع بعض شهادات إسرائيليين تحدثوا في كتب لهم عن النشاط الاستخباراتي المصري الواسع في ذلك الوقت، يشير إلى احتمال تعاون استخباراتي ثلاثي بين مصر وسوريا والسوفيات، أدى في نهاية المطاف إلى كشف هوية "كامل أمين ثابت"، الذي كان متزوجاً من يهودية عراقية. فضيحة "لافون" ولد كوهين في الإسكندرية في الـ26 من ديسمبر 1924، لأبوين من يهود مدينة حلب في سوريا. وعام 1949 انتقل والداه وإخوته الثلاثة إلى إسرائيل، بينما بقي إيلي في مصر لتنسيق الأنشطة اليهودية والصهيونية، وكان ضمن شبكة تجسس ما يعرف بفضيحة "لافون" أو عملية "سوزانا" الفاشلة، التي ضُبطت وفُككت عام 1954. وفي صيف 1954 نفذت وحدة سرية تابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية تعرف بـ"الوحدة 131" عملية تجنيد ليهود مصريين لتنفيذ تفجيرات في منشآت أميركية وبريطانية داخل مصر، بهدف تقويض العلاقات بين مصر والغرب. كشفت الاستخبارات المصرية الخلية، وألقت القبض على أعضائها، مما أدى إلى إعدام اثنين منهم وسجن الآخرين.وعرفت الحادثة لاحقاً باسم "فضيحة لافون" نسبة إلى وزير الدفاع الإسرائيلي بنحاس لافون، الذي تبادل الاتهامات مع رئيس الاستخبارات بنيامين جبلي حول المسؤولية عن العملية، مما أدى إلى استقالته وتسمية الفضيحة باسمه. وبينما لم يكن إيلي متورطاً بشكل مباشر في عملية "سوزانا"، إلا أنه كان منتظماً في أنشطة مؤيدة لإسرائيل، وقد خضع لاستجواب عنيف من قبل الاستخبارات المصرية. غادر إيلي كوهين مصر متوجهاً إلى إسرائيل في صيف عام 1955 ليتلقى تدريباً مكثفاً على التجسس، ووفق "المكتبة اليهودية" التابعة لمركز المشروع التعاوني الأميركي الإسرائيلي، تلقى كوهين تدريبه في المنشأة نفسها التي كانت قد استخدمت لتدريب أعضاء "عملية سوزانا" عام 1953. وعاد إلى مصر عام 1956، لكن الشكوك حامت حوله فوراً، ووُضع تحت المراقبة. وعند بداية حرب 1956 عندما احتلت إسرائيل سيناء اعتُقل من قبل السلطات المصرية، وطُرد من مصر مع بقية يهود الإسكندرية في نهاية الحرب، ليصل إلى إسرائيل في الثامن من فبراير (شباط) 1957. "كامل أمين ثابت" وفي حين ترددت الاستخبارات العسكرية في تجنيد كوهين مجدداً لأسباب تتعدد بين خشية افتضاح أمره من الاستخبارات المصرية أو عدم الاقتناع بمهاراته، لكن بحلول عام 1960 كانت الاستخبارات الإسرائيلية مستعدة لإعادة النظر في ذلك الشاب الذ ولد في بلد عربي، ويتمتع بملامح شرقية، وكان معروفاً بالشجاعة، ويتقن العربية والإنجليزية والفرنسية، كذلك فإن الحدود مع سوريا كانت تشهد تصعيداً. وبالفعل جُند ودُرب بشكل مكثف بما في ذلك تعلم تقنيات القيادة الهجومية واستخدام الأسلحة (وبخاصة الأسلحة الخفيفة) والخرائط، والأهم من ذلك الاتصالات اللاسلكية والتشفير. وكانت هذه المهارات ضرورية لتأمين سلامة وبقاء شخصية كامل أمين ثابت، وهو الاسم الجديد لإيلي كوهين. وكان تعلم اللهجة السورية بدقة من أصعب المهام، إذ كانت لهجة كوهين المصرية واضحة في السابق. أنشأت الاستخبارات الإسرائيلية له هوية جديدة بالكامل، ولد "كامل أمين ثابت" في بيروت لأبوين سوريين مسلمين، والده أمين ثابت ووالدته سعدية إبراهيم، وفقاً لسيرته الوهمية، انتقلت العائلة إلى الأرجنتين عام 1948 حيث أسسوا عملاً ناجحاً في النسيج، فيما عودة كامل إلى سوريا كانت ستبدو وكأنها تحقيق لحلم وطني طال انتظاره. بوينس آيرس - دمشق أرسل إيلي أولاً إلى بوينس آيرس، الأرجنتين، لتقديمه كلاجئ سوري. وسرعان ما أصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية للجالية السورية هناك، وكان معروفاً كرجل أعمال ثري وكريم ومحب للحياة الليلية. سرعان ما كون علاقات مع سياسيين ودبلوماسيين وعسكريين من السفارة السورية، ومن بينهم العقيد أمين الحافظ، أحد مؤيدي حزب البعث. اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) بفضل حفلاته الفاخرة وكرمه، تلقى دعوات لزيارة دمشق وتأسيس مشروع تجاري هناك. ووعده بعض السوريين بالدعم الكامل، وأثار المال الذي بدا أنه يمتلكه اهتمام الطامعين والفاسدين، وكذلك الوطنيون السوريون الذين كانوا يأملون في ضخ أموال أجنبية إلى الاقتصاد السوري. وكان نجاحه في اختراق المجتمع والسياسة السورية قد فاق كل التوقعات. وصل إيلي أخيراً إلى دمشق في فبراير 1962، متظاهراً بأنه رجل أعمال عاد من الأرجنتين. وهناك كون علاقات مع قيادات حزب البعث ومنهم أمين الحافظ، وكان يشارك في المقاهي يستمع للأحاديث السياسية، ويستضيف حفلات حيث كان المسؤولون يتحدثون بحرية، بينما كان إيلي يتظاهر بالسكر ويبقى متيقظاً. عندما استولى "البعث" على السلطة عام 1963، كان إيلي جزءاً من النخبة السورية، وكان يرسل معلومات إلى إسرائيل عبر جهاز إرسال لا سلكي في غرفته. عاد إلى إسرائيل ثلاث مرات بين 1962 و1965. وفي إحدى المرات نقل معلومات حول مشروع سوري لتحويل مجرى نهر بانياس – أحد روافد نهر الأردن – بعيداً من إسرائيل. ونتيجة لهذه المعلومات دمرت الطائرات الإسرائيلية المشروع في أوائل 1964. وزار مرتفعات الجولان مع ضباط كبار، حيث صور مع كبار المسؤولين السوريين وهو يطل على إسرائيل. وقد حفظ إيلي مواقع المدافع والخنادق والمواقع المحصنة والفخاخ المضادة للدبابات، وأبلغ إسرائيل بها، واقترح على السوريين زراعة أشجار الكافور لإخفاء المواقع، وهو ما مكن إسرائيل لاحقاً من تحديد تلك المواقع بدقة. وبعد أن أصبح أمين الحافظ رئيساً للوزراء، كاد إيلي أن يعين نائباً لوزير الدفاع السوري، لكن تغييرات في الحكومة السورية، وعداء رئيس الاستخبارات السورية العقيد أحمد السويداني، جعلت إيلي يشعر بالخطر. وفي زيارته الأخيرة لإسرائيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 1964، أعرب عن رغبته بإنهاء مهمته، لكن الاستخبارات طلبت منه العودة مرة أخيرة. صوره مع كبار قادة سوريا ظهوره المتزايد مع النخبة السورية والصور التي التقطت له تتفق مع الرواية المصرية التي تقول إن ضابطاً مصرياً سبق له التحقيق مع كوهين في القاهرة تعرف إليه من خلال صوره مع المسؤولين السوريين ومن ثم أبلغت القاهرة الاستخبارات السورية. ووفق رواية أخرى منسوبة لـ"فالتراود بيتون" زوجة ضابط الاستخبارات المصري رفعت الجمال المعروف بـ"رأفت الهجان" الذي دسته مصر في إسرائيل، فإن الجمال هو الذي كشف هوية الجاسوس الإسرائيلي في سوريا عندما رأى صورته في إحدى الصحف بصحبة ضباط سوريين. وفي الـ24 من يناير 1965، حدد خبراء روس مصدر الإرسال اللاسلكي في دمشق – وكان منزل إيلي، ومن ثم اقتحمت الاستخبارات السورية منزله أثناء الإرسال، بقيادة العقيد السويداني، حيث ألقي القبض عليه متلبساً. ثمة عديد من الكتب لمؤلفين إسرائيليين تناولت تلك الحقبة الزمنية وحياة كوهين، لمحت إلى نشاط أجهزة الاستخبارات المصرية في المنطقة في ذلك الوقت والتعاون الاستخباراتي الواسع بين القاهرة ودمشق. وعلى سبيل المثال، تحدث كتاب "صمت محطم: قضية إيلي كوهين" الصادر عام 1971 لمؤلفيه زافي ألدوباي وجيرولد بالينجر، عن البيئة الاستخباراتية الإقليمية المعقدة التي عمل ضمنها كوهين، والتي تشمل بالطبع نشاطات الاستخبارات المصرية، وفي حين لا يحدد الكتاب دوراً مباشراً لمصر، لكنه يشير إلى أن التعاون بين أجهزة الاستخبارات العربية قد يكون أدى دوراً غير مباشر في الكشف عن كوهين. ومع ذلك يذكر أيان بلاك وبيني موريس في كتابهما الصادر عام 1991 "حروب إسرائيل السرية: تاريخ الاستخبارات الإسرائيلية"، أن كوهين لم يكن جاسوساً مثالياً. خلال زياراته إلى الوطن، حذره رؤساؤه مراراً من إرسال كثير من الرسائل أو من التصرف بلا جدية عبر الأثير، فقد أرسل مرة رسالة يعبر فيها عن خيبة أمله من خسارة فريق كرة القدم الوطني الإسرائيلي، وغالباً ما كان يرسل تحيات إلى زوجته نادية، ورسائل شخصية أخرى. وكان شقيق كوهين، موريس، يعمل حينها في قسم الاتصالات بالموساد وسرعان ما خمن هوية "منشيه" التي كان يستخدمها في رسائله، كذلك كان بعض المسؤولين في الاستخبارات الإسرائيلية يعتقدون أنه كان يلعب لعبة خطرة. ويذكر أهارون ياريف "لقد كان جيداً جداً كعميل، إلى درجة أنه أصبح قريباً جداً من شخصيات سورية مهمة، وبذلك أصبح مكشوفاً أكثر من اللازم"، واعتبر رافي إيتان، ضابط الموساد المخضرم، كوهين "جاسوساً سيئاً جداً" تصرف بغباء في دمشق. كان كوهين يستخدم جهازه اللاسلكي وكأنه هاتف. ووفق بلاك وموريس، قال أحد مشرفيه لاحقاً "كنا نطرح عليه سؤالاً في الصباح، وبحلول المساء نحصل على الجواب". وبين الـ15 من مارس (آذار) والـ29 من أغسطس (آب) 1964، على سبيل المثال، أرسل نحو 100 رسالة، مدة كل واحدة نحو تسع دقائق، وبين الثاني من ديسمبر واعتقاله في الـ18 من يناير 1965، أرسل 31 رسالة، جميعها في الساعة 8:30 صباحاً. وعلى رغم أنه كان يعتبر فنياً جيداً في استخدام الراديو، فإن الإفراط في استخدام الأثير شكل خللاً أمنياً تراكمياً، وكان على الأرجح السبب المباشر لاعتقاله، فقد لاحظت الشاحنات التي يقودها رجال الأمن السوريون ومستشارون سوفيات التكرار في البث وتمكنت من تحديد مصدره حيث شقة كوهين.


Independent عربية
منذ 2 أيام
- Independent عربية
استعادة أرشيف كوهين بادرة "حسن نية" سورية أم عملية إسرائيلية؟
جاء إعلان تل أبيب حصولها على الأرشيف السري السوري للجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين ومقتنياته الشخصية في الذكرى الـ60 لإعدامه في ساحة المرجة في وسط دمشق، في خطوة قد تمهد الطريق لاستعادة جثمانه، وإسدال الستار على قضية "أعظم عميل استخباراتي في تاريخ إسرائيل". وبحسب بيان لجهاز "الموساد" الإسرائيلي، فإن أرشيف كوهين ومقتنياته الشخصية حصلت عليها إسرائيل إثر "عملية سرية ومعقدة نفذها الموساد، بالتعاون مع جهاز استخبارات أجنبي حليف". وأوضح الجهاز أن جلب "هذه المواد التاريخية إلى إسرائيل ثمرة جهود استمرت عقوداً من قبل الموساد... وبعد تنفيذ عشرات العمليات على مر السنين، بما في ذلك في دول معادية". وتأتي تلك الخطوة "التاريخية" بعد أسبوع على إعلان إسرائيل استعادتها في "عملية خاصة" رفات جندي إسرائيلي قتل بالبقاع اللبناني في معركة السلطان يعقوب خلال الاجتياح الإسرائيلي في عام 1982. بادرة "حسن نية" أم عملية استخباراتية؟ رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وجهاز "الموساد" أرجعا الحصول على وثائق ومقتنيات كوهين إلى عملية استخباراتية، فإن كثيراً من الخبراء والمراقبين لم يستبعدوا أن يكون ذلك بادرة "حسن نية" من الحكومة السورية تجاه إسرائيل. وسلّم نتنياهو جزءاً من تلك المقتنيات والرسائل الشخصية إلى أرملة كوهين، نادية كوهين، خلال استقباله لها بحضور مدير جهاز "الموساد" ديفيد برنياع. ويحتوي أرشيف كوهين على نحو 2500 وثيقة أصلية وصور ومقتنيات شخصية، جمعتها المخابرات السورية بعد أسره في يناير (كانون الثاني) عام 1965، بحسب "الموساد". وأوضح "الموساد" أن "قوات الأمن السورية احتفظت بها لعقود من الزمن، بطريقة مجزأة للغاية". اقرأ المزيد يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field) ووصف نتنياهو إيلي كوهين بـ"الأسطورة، وأعظم عميل استخبارات في تاريخ الدولة"، مشيراً إلى أن "بطولته ونشاطه أسهما في انتصارنا التاريخي في حرب الأيام الستة". ومع أن السلطات السورية اكتشفت أمر كوهين قبل سنتين من اندلاع حرب يونيو (حزيران) لسنة 1967، فإن اتصالاته على "أعلى مستوى مع المسؤولين العسكريين والسياسيين السوريين منحته القدرة على إبداء النصيحة لهم". وعد مدير جهاز "الموساد" أن جلب أرشيف كوهين "خطوة إضافية على طريق تحديد مكان دفن رجلنا في دمشق"، مضيفاً أن تلك "مهمة بالغة الأهمية أمامنا، ونحن ملتزمون بمواصلتها وبذل قصارى جهدنا لتحقيقها". الأرشيف السري لكوهين يشمل الأرشيف السري لكوهين الذي جمعته المخابرات السورية من منزله في دمشق، المهام التي تلقاها من "الموساد"، التي كان من المقرر تنفيذها سراً؛ بما في ذلك طلب مراقبة هدف ومهمة لجمع معلومات استخباراتية عن قواعد عسكرية سورية في القنيطرة. كما يتضمن وثائق من ملفات تحقيق إيلي كوهين، ومن كان على اتصال بهم، ورسائل بخط يده إلى عائلته في إسرائيل، وصوراً لأنشطته خلال مهمته العملياتية في سوريا، ومقتنيات شخصية أُخذت من منزله بعد أسره. وصية ورسالة إلى حافظ الأسد من بين الوثائق، الوصية الأصلية التي كتبها كوهين قبل ساعات من إعدامه في الـ18 من مايو (أيار) عام 1965. وتتضمن مقتنياته الشخصية مفاتيح شقته في دمشق، وجوازات سفر ووثائق مزورة، وكثيراً من الصور الفوتوغرافية من فترة نشاطه السري في سوريا. وتضمن أرشيف كوهين السري ملفاً بعنوان "نادية كوهين"، استعرضت فيه المخابرات السورية جميع جهودها لإطلاق سراح زوجها، بما في ذلك رسائلها إلى قادة العالم والرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد. سر شجرة الكينا يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة حيفا سليم بريك، أن جلب إسرائيل أرشيف كوهين السري ومقتنياته يأتي "ضمن دفعات حسن النية السورية لإسرائيل في ظل تواصل المفاوضات غير المباشرة بين الجانبين برعاية إماراتية وتركية". وبحسب بريك، فإن دمشق تسعى إلى "علاقات إيجابية مع إسرائيل، وتريد على الأقل العودة إلى اتفاق فض الاشتباك، وإنهاء الغارات الإسرائيلية على سوريا". وأوضح أن كوهين يعد "شخصية رمزية في المجتمع الإسرائيلي، وذلك لأنه أسهم في احتلال إسرائيل هضبة الجولان في سنة 1967 في أقل من 36 ساعة". ووفق بريك، فإن إيلي كوهين "نصح بحكم علاقته مع كبار المسؤولين العسكريين السوريين بزراعة الجيش السوري شجرة الكينا وإخفاء الأسلحة والصواريخ تحتها، وهو ما تم". وأضاف بريك أن كوهين أبلغ "الموساد" "بنية الجيش السوري إخفاء أسلحته تحت تلك الأشجار، وهو ما ساعد الجيش الإسرائيلي على قصفها وتوجيه ضربة ساحقة للجيش السوري خلال ساعات". وينحدر كوهين من يهود مصر، فيما تنحدر زوجته نادية من يهود العراق. "رسائل إيجابية" يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية عصمت منصور أن إسرائيل "تنتهز ما يحصل في سوريا بعد سقوط نظام الأسد لإقفال ملفات، وتسديد حسابات تعود لعقود ماضية من الصراع". وبحسب منصور، فإن حصول إسرائيل على أرشيف كوهين "لم يكن ليحصل لولا وجود تعاون مع جهات فاعلة في سوريا، أو دول لها حضور قوي فيها". وعد الباحث في المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية أنطوان شلحت أن "دمشق، في ظل سعيها إلى التهدئة مع الجميع، تعمل على توجيه رسائل إيجابية ومبادرات حسن نية تجاه تل أبيب عبر المساعدة في جلب أرشيف كوهين". وبحسب شلحت، فإن إسرائيل "تتعامل بحذرٍ وشك مع الحكم الجديد في سوريا، ولم تستقر بعد على موقف تجاهه على رغم من المفاوضات غير المباشرة المتواصلة بين الجانبين". رمز في الرواية الاستخباراتية اتفق الباحث في الشؤون الاستراتيجية عنان وهبة مع كل من بريك وشلحت في أن حصول تل أبيب على أرشيف كوهين "يأتي ضمن بوادر حسن النية السورية تجاه إسرائيل". وأشار وهبة إلى أن إيلي كوهين "يشكل رمزاً في الرواية الاستخباراتية الإسرائيلية، واخترق دولة مجاورة على أعلى مستويات مسؤوليها". وأشار إلى أن "قضية كوهين أثيرت في جميع المفاوضات السورية - الإسرائيلية خلال الأعوام الماضية". واستبعد الحصول على "الأرشيف من دون موافقة سورية، وبأنه قد يأتي تمهيداً لتقارب سوري إسرائيلي خلال الفترة المقبلة". وأوضح المحلل السياسي الإسرائيلي إيلي نيسان أن "مشاركة الحكومة السورية المحتملة في تسليم أرشيف كوهين ربما تدل على رغبة دمشق في بناء الثقة وجسور التفاهم مع تل أبيب".